السيد محمدحسين الطباطبائي

45

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

على بطلان دعواهم الرسالة بأنّهم مثل سائر الناس والناس لا يجدون شيئا ممّا يدعونه من أنفسهم مع وجود المماثلة ، ولو كان لكان في الجميع أو جاز للجميع ولهذا ، وهنا أجاب الرسل عن حجتهم بما حكاه اللّه تعالى عنهم بقوله : قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ « 1 » ، فردّوا عليهم بتسليم المماثلة وأنّ الرسالة من منن اللّه الخاصّة ، والاختصاص ببعض النعم الخاصّة لا ينافي المماثلة ، فللناس اختصاصات ، نعم لو شاء اللّه أن يمن على من يشاء منهم فعل ذلك من غير مانع فالنبوة مختصّة بالبعض وإن جاز على الكل . ونظير هذا الاحتجاج قولهم في النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على ما حكاه اللّه تعالى : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا « 2 » ، وقولهم كما حكاه اللّه : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ « 3 » . ونظير هذا الاحتجاج أو قريب منه ما في قوله تعالى : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً . أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها « 4 » ، ووجه الاستدلال أنّ دعوى الرسالة توجب أن لا يكون بشرا مثلنا لكونه ذا أحوال من الوحي وغيره ليس فينا فلم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لاكتساب المعيشة ؟ بل يجب أن ينزل معه ملك يشاركه في الإنذار أو يلقى إليه كنز فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق للكسب أو تكون له جنّة فيأكل منها لا ممّا نأكل منه من طعام ، فردّ اللّه تعالى عليهم بقوله : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى أن قال : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً « 5 » ، ورد تعالى في موضع آخر مطالبتهم مباشرة الملك للإنذار بقوله : وَلَوْ

--> ( 1 ) إبراهيم - 13 . ( 2 ) ص - 8 . ( 3 ) الزخرف - 31 . ( 4 ) الفرقان - 8 . ( 5 ) الفرقان - 20 .