السيد محمدحسين الطباطبائي
46
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ « 1 » . وقريب من ذلك الاحتجاج أيضا ما في قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً « 2 » ، فأبطلوا بزعمهم دعوى الرسالة بالوحي بمطالبة أن يشهدوا نزول الملك أو رؤية الرب سبحانه لمكان المماثلة مع النبي ، فردّ اللّه تعالى عليهم ذلك بقوله : يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً « 3 » ، فذكر أنّهم والحال حالهم لا يرون الملائكة إلّا مع حال الموت كما ذكره في موضع آخر بقوله تعالى : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ . لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ « 4 » وتشتمل هذه الآيات الأخيرة على زيادة في وجه الاستدلال ، وهو تسليم صدق النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في دعواه إلّا أنّه مجنون وما يحكيه ويخبر به أمر يسوّله له الجنون غير مطابق للواقع كما في موضع آخر من قوله : وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ « 5 » . وبالجملة فأمثال هذه الآيات مسوقة لبيان إقامتهم الحجّة على إبطال دعوى النبوّة من طريق المماثلة . وتارة أخرى أقاموا أنفسهم مقام الإنكار وسؤال الحجّة والبيّنة على صدق الدعوة لاشتمالها على ما تنكره النفوس ولا تعرفه العقول ( على طريقة المنع مع السند باصطلاح فن المناظرة ) وهذه البيّنة هي المعجزة بيان ذلك أنّ دعوى النبوّة والرسالة من كل نبي ورسول على ما يقصّه القرآن إنّما كانت بدعوى الوحي والتكليم الإلهي بلا واسطة أو بواسطة نزول الملك ، وهذا أمر لا يساعد عليه الحسّ ولا تؤيده التجربة فيتوجّه عليه الإشكال من جهتين : إحداهما من جهة عدم الدليل عليه ، والثانية من جهة الدليل على
--> ( 1 ) الأنعام - 9 . ( 2 ) الفرقان - 21 . ( 3 ) الفرقان - 22 . ( 4 ) الحجر - 8 . ( 5 ) القمر - 9 .