السيد محمدحسين الطباطبائي

30

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

الفصل الثاني إثبات القرآن ما يخرق العادة ثمّ إنّ القرآن يقتص ويخبر عن جملة من الحوادث والوقائع لا يساعد عليه جريان العادة المشهودة في عالم الطبيعة على نظام العلّة والمعلول الموجود ، وهذه الحوادث الخارقة للعادة هي الآيات المعجزة التي ينسبها إلى عدّة من الأنبياء الكرام كمعجزات نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وداود وسليمان وموسى وعيسى ومحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإنّها أمور خارقة للعادة المستمرة في نظام الطبيعة . لكن يجب أن يعلم أنّ هذه الأمور والحوادث وإن أنكرتها العادة واستبعدتها إلّا أنّها ليست أمورا مستحيلة بالذات بحيث يبطلها العقل الضروري كما يبطل قولنا الإيجاب والسلب يجتمعان معا ويرتفعان معا من كل جهة وقولنا الشيء يمكن أن يسلب عن نفسه وقولنا : الواحد ليس نصف الاثنين وأمثال ذلك من الأمور الممتنعة بالذات ، كيف وعقول جم غفير من المليين منذ أعصار قديمة تقبل ذلك وترتضيه من غير إنكار ورد ولو كانت المعجزات ممتنعة بالذات لم يقبلها عقل عاقل ولم يستدلّ بها على شيء ولم ينسبها أحد إلى أحد . على أنّ أصل هذه الأمور أعني المعجزات ليس ممّا تنكره عادة الطبيعة بل هي ممّا يتعاوره نظام المادّة كل حين بتبديل الحي إلى ميّت والميّت إلى الحي وتحويل صورة إلى صورة وحادثة إلى حادثة ورخاء إلى بلاء وبلاء إلى رخاء ، وإنّما الفرق بين صنع العادة وبين المعجزة الخارقة هو