السيد محمدحسين الطباطبائي

31

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

أنّ الأسباب الماديّة المشهودة التي بين أيدينا إنّما تؤثر أثرها مع روابط مخصوصة وشرائط زمانيّة ومكانيّة خاصّة تقضي بالتدريج في التأثير ، مثلا العصا وإن أمكن أن تصير حيّة تسعى والجسد البالي وإن أمكن أن يصير إنسانا حيّا لكن ذلك إنّما يتحقّق في العادة بعلل خاصّة وشرائط زمانيّة ومكانيّة مخصوصة تنتقل بها المادّة من حال إلى حال وتكتسي صورة بعد صورة حتّى تستقر وتحل بها الصورة الأخيرة المفروضة على ما تصدّقه المشاهدة والتجربة لا مع أي شرط اتّفق أو من غير علّة أو بإرادة مريد كما هو الظاهر من حال المعجزات والخوارق التي يقصها القرآن . وكما أنّ الحس والتجربة الساذجين لا يساعدان على تصديق هذه الخوارق للعادة كذلك النظر العلمي الطبيعي ، لكونه معتمدا على السطح المشهود من نظام العلّة والمعلول الطبيعيين ، أعني به السطح الذي يستقرّ عليه التجارب العلمية اليوم والفرضيّات المعلّلة للحوادث الماديّة . إلّا أن حدوث الحوادث الخارقة للعادة إجمالا ليس في وسع العلم إنكاره والستر عليه ، فكم من أمر عجيب خارق للعادة يأتي به أرباب المجاهدة وأهل الارتياض كل يوم تمتلي به العيون وتنشره النشريات ويضبطه الصحف والمسفورات بحيث لا يبقى لذي لب في وقوعها شك ولا في تحقّقها ريب . وهذا هو الذي ألجأ الباحثين في الآثار الروحيّة من علماء العصر أن يعللوه بجريان أمواج مجهولة الكتريسية مغناطيسيّة فافترضوا أن الارتياضات الشاقّة تعطي للإنسان سلطة على تصريف أمواج مرموزة قويّة تملكه أو تصاحبه إرادة وشعور وبذلك يقدر على ما يأتي به من حركات وتحريكات وتصرفات عجيبة في المادّة خارقة للعادة بطريق القبض والبسط ونحو ذلك . وهذه الفرضية لو تمت واطردت من غير انتقاض لأدّت إلى تحقّق فرضيّة جديدة وسيعة تعلل جميع الحوادث المتفرقة التي كانت تعلّلها جميعا أو تعلل بعضها الفرضيات القديمة على محور الحركة والقوّة ولساقت جميع الحوادث الماديّة إلى التعلل والارتباط بعلّة واحدة طبيعية . فهذا قولهم والحق معهم في الجملة إذ لا معنى لمعلول طبيعي لا علّة