السيد محمدحسين الطباطبائي

26

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ « 1 » وقوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ « 2 » ، فهذه الآيات ونظائرها تحكي عن اتكاء القرآن في معانيه على حقائق ثابتة غير متغيّرة ولا متغيّر ما يتكي عليها . إذا عرفت ما مرّ علمت أن استناد وضع اللغة إلى الإنسان لا يقتضي أن لا يوجد تأليف كلامي فوق ما يقدر عليه الإنسان الواضع له ، وليس ذلك إلّا كالقول بأنّ القين الصانع للسيوف يجب أن يكون أشجع ممن يستعملها وواضع النرد والشطرنج يجب أن يكون أمهر ممن يلعب بهما ومخترع العود يجب أن يكون أقوى ممن يضرب بها . فقد تبيّن من ذلك كلّه أنّ البلاغة التامّة معتمدة على نوع من العلم المطابق للواقع من جهة مطابقة اللفظ للمعنى ومن جهة مطابقة المعنى المعقول للخارج الذي تحكيه الصورة الذهنيّة . أمّا اللفظ فأن يكون الترتيب الذي بين أجزاء اللفظ بحسب الوضع مطابقا للترتيب الذي بين أجزاء المعنى المعبّر عنه باللفظ بحسب الطبع فيطابق الوضع الطبع كما قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز . وأمّا المعنى فأن يكون في صحّته وصدقه معتمدا على الخارج الواقع بحيث لا يزول عمّا هو عليه من الحقيقة ، وهذه المرتبة هي التي تتكي عليها المرتبة السابقة ، وكم من هزل بليغ في هزليّته لكنّه لا يقاوم الجد ، وكم من كلام بليغ مبني على الجهالة لكنّه لا يعارض ولا يسعه أن يعارض الحكمة ، والكلام الجامع بين عذوبة اللفظ وجزالة الأسلوب وبلاغة المعنى وحقيقة الواقع هو أرقى الكلام . وإذا كان الكلام قائما على أساس الحقيقة ومنطبق المعنى عليها تمام الانطباق لم يكذّب الحقائق الأخر ولم تكذبه فإن الحق مؤتلف الأجزاء

--> ( 1 ) الزخرف - 4 . ( 2 ) الواقعة - 79 .