السيد محمدحسين الطباطبائي
27
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
ومتّحد الأركان لا يبطل حق حقا ، ولا يكذب صدق صدقا ، والباطل هو الذي ينافي الباطل وينافي الحق ، انظر إلى مغزى قوله سبحانه وتعالى : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ « 1 » ، فقد جعل الحق واحدا لا تفرق فيه ولا تشتت ، وانظر إلى قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ « 2 » ، فقد جعل الباطل متشتّتا ومشتّتا ومتفرّقا ومفرقا . وإذا كان الأمر كذلك فلا يقع بين أجزاء الحق اختلاف بل نهاية الائتلاف ، يجر بعضه إلى بعض ، وينتج بعضه البعض كما يشهد بعضه على بعض ويحكي بعضه البعض . وهذا من عجيب أمر القرآن فإن الآية من آياته لا تكاد تصمت عن الدلالة ولا تعقم عن الإنتاج ، كلما ضمت آية إلى آية مناسبة أنتجت حقيقة من أبكار الحقائق ثمّ الآية الثالثة تصدقها وتشهد بها ، هذا شأنه وخاصّته وسترى في خلال البيانات في هذا الكتاب نبذا من ذلك على أنّ الطريق متروك غير مسلوك ولو أنّ المفسّرين ساروا هذا المسير لظهر لنا إلى اليوم ينابيع من بحاره العذبة وخزائن من أثقاله النفيسة . فقد اتّضح بطلان الإشكال من الجهتين جميعا فإنّ أمر البلاغة المعجزة لا يدور مدار اللفظ حتّى يقال إنّ الإنسان هو الواضع للكلام فكيف لا يقدر على أبلغ الكلام وأفصحه وهو واضح ، أو يقال إن أبلغ التركيبات المتصوّرة تركيب واحد من بينها فكيف يمكن التعبير عن معنى واحد بتركيبات متعدّدة مختلفة السياق والجميع فائق قدرة البشر بالغ حد الإعجاز بل المدار هو المعنى الحافظ لجميع جهات الذهن والخارج « 3 » . . . لا شبهة في دلالة القرآن على ثبوت الآية المعجزة وتحققها بمعنى الأمر الخارق للعادة الدالّ على تصرف ما وراء الطبيعة في عالم الطبيعة ونشأة المادّة لا بمعنى الأمر المبطل لضرورة العقل .
--> ( 1 ) يونس - 32 . ( 2 ) الأنعام - 153 . ( 3 ) راجع المبحث في الميزان المجلد الأول ص 61 .