السيد محمدحسين الطباطبائي
25
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
بالمعارف والمطالب فيعجز عن التكلّم فيها بكلام حافظ لجهات المعنى حاك لجمال صورته التي هو عليها في نفسه ، وربّما تبحّر الإنسان في سلسلة من المعارف والمعلومات ولطفت قريحته ورقّت فطرته لكن لا يقدر على الإفصاح عن ما في ضميره ، وعيّ عن حكاية ما يشاهده من جمال المعنى ومنظره البهيج . فهذه أمور ثلاثة : أوّلها راجع إلى وضع الإنسان بقريحته الاجتماعية والثاني والثالث راجعان إلى نوع من لطف القوّة المدركة ، ومن البيّن أنّ إدراك القوى المدركة منا محدودة مقدّرة لا تقدر على الإحاطة بتفاصيل الحوادث الخارجيّة والأمور الواقعيّة بجميع روابطها ، فلسنا على أمن من الخطأ قط في وقت من الأوقات ، ومع ذلك فالاستكمال التدريجي الذي في وجودنا أيضا يوجب الاختلاف التدريجي في معلوماتنا أخذا من النقص إلى الكمال فأي خطيب أشدق وأي شاعر مفلق فرضته لم يكن ما يأتيه في أوّل أمره موازنا لما تسمح به قريحته في أواخر أمره ؟ فلو فرضنا كلاما إنسانيّا أي كلام فرضناه لم يكن في مأمن من الخطأ لفرض عدم اطلاع متكلمه بجميع أجزاء الواقع وشرائطه ( أولا ) ولم يكن على حدّ كلامه السابق ولا على زنة كلامه اللاحق بل ولا أوّله يساوي آخره وإن لم نشعر بذلك لدقّة الأمر ، لكن حكم التحول والتكامل عام ( ثانيا ) وعلى هذا فلو عثرنا على كلام فصل لا هزل فيه ( وجدّ الهزل هو القول بغير علم محيط ) ولا اختلاف يعتريه لم يكن كلاما بشريّا ، وهو الذي يفيده القرآن بقوله : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » الآية ، وقوله تعالى : وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ . وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ . إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ . وَما هُوَ بِالْهَزْلِ « 2 » ، انظر إلى موضع القسم بالسماء والأرض المتغيرتين والمعنى المقسم به في عدم تغيّره واتكائه على حقيقة ثابتة هي تأويله ( وسيأتي ما يراد في القرآن من لفظ التأويل ) وقوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ « 3 » ، وقوله تعالى : وَالْكِتابِ الْمُبِينِ . إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا
--> ( 1 ) النساء - 82 . ( 2 ) الطارق - 14 . ( 3 ) البروج - 22 .