السيد محمدحسين الطباطبائي
24
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
ذلك من تحمّل هذا الشأن هو أنّ للقرآن تأويلا لم يحيطوا بعلمه فكذّبوه ، ولا يحيط به علما إلّا اللّه فهو الذي يمنع المعارض عن أن يعارضه لا أنّ اللّه سبحانه يصرفهم عن ذلك مع تمكّنهم منه لولا الصرف بإرادة من اللّه تعالى . وكذا قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » ، الآية ، فإنّه ظاهر في أنّ الذي يعجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن إنّما هو كونه في نفسه على صفة عدم الاختلاف لفظاً ومعنى ولا يسمع لمخلوق أن يأتي بكلام غير مشتمل على الاختلاف ، لا أنّ اللّه صرفهم عن مناقضته بإظهار الاختلاف الذي فيه هذا ، فما ذكروه من أنّ إعجاز القرآن بالصرف كلام لا ينبغي الركون إليه . وأمّا الإشكال باستلزام الإعجاز من حيث البلاغة المحال بتقريب أنّ البلاغة من صفات الكلام الموضوع ووضع الكلام من آثار القريحة الإنسانيّة فلا يمكن أن يبلغ من الكمال حدّا لا تسعه طاقة القريحة وهو مع ذلك معلول لها لا لغيرها ، فالجواب عنه أن الذي يستند من الكلام إلى قريحة الإنسان إنّما هو كشف اللفظ المفرد عن معناه وأمّا سرد الكلام ونضد الجمل بحيث يحاكي جمال المعنى المؤلف وهيئته على ما هو عليه في الذهن بطبعه حكاية تامّة أو ناقصة وإراءة واضحة أو خفيّة ، وكذا تنظيم الصورة العلمية في الذهن بحيث يوافق الواقع في جميع روابطه ومقدّماته ومقارناته ولواحقه أو في كثير منها أو في بعضها دون بعض فإنّما هو أمر لا يرجع إلى وضع الألفاظ بل إلى نوع مهارة في صناعة البيان وفن البلاغة تسمح به القريحة في سرد الألفاظ ونظم الأدوات اللفظيّة ونوع لطف في الذهن يحيط به القوّة الذاهنة على الواقعة المحكيّة بأطرافها ولوازمها ومتعلّقاتها . فههنا جهات ثلاث يمكن أن تجتمع في الوجود أو تفترق فربّما أحاط إنسان بلغة من اللغات فلا يشذّ عن علمه لفظ لكنّه لا يقدر على التهجي والتكلّم ، وربّما تمهّر الإنسان في البيان وسرد الكلام لكن لا علم له
--> ( 1 ) النساء - 82 .