السيد محمدحسين الطباطبائي
10
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
ووراء الوسائل الطبيعيّة الماديّة وإن لم يقدر على ذلك فلم يضل في إنسانيّته ولم ينس ما يحكم به وجدانه الفطري أن يراجع فيما لا يحسن اختباره ويجهل مأخذه إلى أهل الخبرة به . فإن قلت : ما الفائدة في توسعة التحدّي إلى العامّة والتعدّي عن حومة الخاصّة فإنّ العامّة سريعة الانفعال للدعوة والإجابة لكل صنيعة وقد خضعوا لأمثال الباب والبهاء والقادياني والمسيلمة على أن ما أتوا به واستدلّوا عليه أشبه بالهجر والهذيان منه بالكلام . قلت : هذا هو السبيل في عموم الإعجاز والطريق الممكن في تمييز الكمال والتقدّم في أمر يقع فيه التفاضل والسباق ، فإن أفهام الناس مختلفة اختلافا ضروريّا والكمالات كذلك ، والنتيجة الضروريّة لهاتين المقدّمتين أن يدرك صاحب الفهم العالي والنظر الصائب ويرجع من هو دون ذلك فهما ونظرا إلى صاحبه ، والفطرة حاكمة والغريزة قاضية . ولا يقبل شيء ممّا يناله الإنسان بقواه المدركة ويبلغه فهمه العموم والشمول لكلّ فرد في كلّ زمان ومكان بالوصول والبلوغ والبقاء إلّا ما هو من سنخ العلم والمعرفة على الطريقة المذكورة ، فإن كلّ ما فرض آية معجزة غير العلم والمعرفة فإنّما هو موجود طبيعي أو حادث حسّي محكوم بقوانين المادّة محدود بالزمان والمكان فليس بمشهود إلّا لبعض أفراد الإنسان دون بعض ولو فرض محالا أو كالمحال عمومه لكلّ فرد منه فإنّما يمكن في مكان دون جميع الأمكنة ، ولو فرض اتساعه لكلّ مكان لم يمكن اتساعه لجميع الأزمنة والأوقات . فهذا ما تحدى به القرآن تحديا عاما لكلّ فرد في كلّ مكان وفي كل زمان . . .