سعيد عطية علي مطاوع
99
الاعجاز القصصي في القرآن
التلكؤ في الطاعة ، والجمود في المشاعر ، والمراوغة ، والسخرية في المواقف الجدية ، ومقاومة شيع الحكام المصريين الذين كان من أخلاقهم البغي والكبر ، واحتقار الفقراء والضعفاء ، وتقديس الكبراء وذوي الثراء : " اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ " ( سورة الأنعام : من آية 124 ) . 2 - شخصية موسى : أنموذج للزعيم المندفع العصبي المزاج : فها هو ذا قد ربّي في قصر فرعون ، وتحت سمعه وبصره ، وأصبح فتي قويا : " وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ " ( سورة القصص : من آية 15 ) وهنا يبدو الانفعال العصبي واضحا . وسرعان ما تذهب هذه الدفعة العصبية ، فيثوب إلى نفسه شأن العصبيين : " قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ " ( سورة القصص من آية 15 - 17 ) . " فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ " ( سورة القصص من آية 18 ) . . . وتعتبر مصور لهيئة معروفة : هيئة المتفرع المتلفت للشر في كل حركة . وتلك سمة العصبيين أيضا . ومع هذا ، إنه ينظر : " فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ " ( سورة القصص : من آية 18 ) . ولكنه يهمّ بالرجل الآخر كما همّ بالأمس ، وينسيه الاندفاع استغفاره وندمه وخوفه وترقبه ، لولا أن يذكره من يهمّ به بفعلته ، فيتذكر ويخشى : " فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ " ( سورة القصص : 19 ) . وحينئذ ينصح له بالرحيل رجل جاء من أقصى المدينة يسعى ، فيرحل عنها كما علمنا . فلندعه هنا لنلتقي به في فترة ثانية من حياته بعد عشر سنوات ، فلعله قد هدأ وصار رجلا هادئ الطبع حليم النفس :