سعيد عطية علي مطاوع
100
الاعجاز القصصي في القرآن
كلا ، فها هو ذا ينادى من جانب الطور الأيمن : أن ألق عصاك فألقاها فإذا هي حية تسعى وما يكاد يراها حتى يثب جريا ، لا يعقب ولا يلوي . إنه الفتي العصبي نفسه ولو أنه قد صار رجلا ، فغيره كان يخاف نعم ، ولكن لعله كان يبتعد منها ، ويقف ليتأمل هذه العجيبة الكبرى 154 . ثم لندعه فترة أخري ، لنري ما ذا يصنع الزمن في أعصابه : لقد انتصر علي السحرة ، وقد استخلص بني إسرائيل ، وعبر بهم البحر ، ثم ذهب إلى ميعاد ربه علي الطور ، وإنه لنبي . ولكن ها هو ذا يسأل ربه سؤالا عجيبا : " قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي " ( سورة الأعراف من آية 143 ) . . ثم حدث ما لا تحتمله أية أعصاب إنسانية : " فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ " ( سورة الأعراف : 143 ) . . عودة العصبي في سرعة واندفاع ! ثم ها هو ذا يعود ، فيجد قومه قد اتخذوا لهم عجلا إلها ، وفي يديه الألواح التي أوحاها اللّه إليه ، فما يتريّث وما يني : " وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ " ( سورة الأعراف من آية 150 ) . . . وإنه ليمضي منفعلا يشد رأس أخيه ولحيته ولا يسمع له قولا : " قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي " ( سورة طه : 94 ) . . وحين يعلم أن " السامري " هو الذي فعل الفعلة ، يلتفت إليه مغضبا ، ويسأله مستنكرا . حتى إذا علم سرّ العجل : " قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً " ( سورة طه : 97 ) . . وهكذا في حنق ظاهر وحركة متوترة . . فلندعه سنوات أخرى : لقد ذهب قومه في التيه ونحسبه قد صار كهلا حينما افترق عنهم ، ولقي الرجل الذي طلب إليه أن يصحبه ليعلّمه مما آتاه اللّه علما .