سعيد عطية علي مطاوع
71
الاعجاز القصصي في القرآن
قلب امرأة . وتحدّت به قسوة فرعون وغلظته وحرصه وحذره . . وهان فرعون على اللّه أن يحمى منه الطفل الضعيف بغير هذا الستار الرقيق الشفيف من الحبّ 102 . ونلاحظ أن تدخّل القدر في هذه الأحداث كان خفيا ، لأن نتائجها لم تنكشف إلا بعد وقوعها بمدة . . ولكن القدر يكون تدخله بطريقة سافرة مكشوفة عندما يتحدى بالخوارق أو المعجزات ، وهي الأمور التي يجريها اللّه على يد رسوله أو يحدثها في الكون استجابة لدعوة الرسول حين التحدّى وطلب البينة ، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى : " فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ " ( سورة الشعراء 63 - 66 ) . أما المفاجأة في الأحداث فهي متنوعة ومختلفة : فقد يكتم سرّ المفاجأة عن البطل والقرّاء ، حتى يكشف لهم معا في آن واحد ، كما في قصة موسى مع العبد الصالح في سورة الكهف 103 ، حيث تبرز مفاجآتها المتعاقبة . وفي النهاية مع دهشة السرّ المكشوف يختفي الرجل كما بدا ، فقد يخطر للأذهان الدهشة بعد أن تصحو أن تسأل : من هذا ؟ ولكنها لن تتلقى جوابا . لقد مضى في المجهول كما خرج من المجهول ، فالقصة تمثل الحكمة الكبرى ، وهذه الحكمة لا تكشف عن نفسها إلا بمقدار ثم تبقى مجهولة أبدا . ومرة يكشف السرّ للقراء ، ويترك أبطال القصة عنه في عماية ، وهؤلاء يتصرفون وهم جاهلون السر ، أولئك يشاهدون تصرفاتهم عالمين . وأغلب ما يكون ذلك في موضع السخرية ، ليشترك القرّاء فيها ، منذ أول لحظة ، حيث تتاح لهم السخرية من تصرفات الممثلين 104 . كما وقع في قصة أصحاب الجنة في سورة القلم : " وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا