سعيد عطية علي مطاوع
72
الاعجاز القصصي في القرآن
ظالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ " ( سورة القلم آيات 18 - 33 ) . وهذه القصة قد تكون متداولة ومعروفة ، ولكن السياق القرآني يكشف عمّا وراء حوادثها ، من فعل اللّه وقدرته ، ومن ابتلاء وجزاء لبعض عباده ويكون هذا هو الجديد في سياقها القرآني . . ومن خلال نصوصها وحركاتها نلمح مجموعة من الناس بدائية أشبه في تفكيرها وتصورها وحركتها بأهل الريف البسطاء السذج . ولعل هذا المستوى من النماذج البشرية كان أقرب إلى المخاطبين بالقصة ، الذين كانوا يعاندون ويجحدون ، ولكن نفوسهم ليست شديدة التعقيد ، إنما هي أقرب إلى السذاجة والبساطة . . والقصة من ناحية الأداء تمثل إحدى طرق الأداء الفني للقصة في القرآن وفيها مفاجآت مشوقة ، كما أن فيه سخرية بالكيد البشرى العاجز أمام تدبير اللّه وكيده . . وفيه حيوية في العرض حتى لكأن السامع - أو القارئ يشهد القصة حية تقع أحداثها أمامه وتتوالى ، فيعلم ما لا يعلمه أصحاب الجنة من أمرها . . فقد شهد تلك اليد الخفية اللطيفة تمتدّ إليها في الظلام ، فتذهب بثمرها كله . . وهذا لون من ألوان التناسق في التعبير الفني القرآني ، يضاف إلى نظائره هنالك . واللّه سبحانه وتعالى يسوق إلى قريش هذه التجربة من واقع البيئة ، ومما هو متداول بينهم من القصص ، فيربط بين سنته في الغابرين وسنته في الحاضرين ، ويلمس قلوبهم بأقرب الأساليب إلى واقع حياتهم . وفي الوقت ذاته يشعر المؤمنون بأن ما يرونه على المشركين - من كبراء قريش - من آثار النعمة والثروة إنما هو ابتلاء من اللّه ، له عواقبه ، وله نتائجه . وسنته أن يبتلى بالنعمة كما يبتلى بالبأساء سواء . فأما المتبطرون المانعون للخير المخدوعون بما هم فيه من نعيم ، فذلك كان مثلا لعاقبتهم : " وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ " . وأما المتقون الحذرون فلهم عند ربهم جنات النعيم : " إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ " . . وهو التقابل في العاقبة ، كما