سعيد عطية علي مطاوع

60

الاعجاز القصصي في القرآن

يوسف في أول الأمر واستعصم . . وهو تصوير واقعي صادق لحياة النفس البشرية الصالحة في المقاومة والضعف ، ثم الاعتصام باللّه في النهاية والنجاة . . ولكن السياق القرآني لم يفصل في تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة ، لأن المنهج القرآني لا يريد أن يجعل من هذه اللحظة معرضا يستغرق أكثر من مساحته المناسبة في محيط القصة ، وفي محيط الحياة البشرية المتكاملة كذلك . فذكر طرفي الموقف بين الاعتصام في أوله والاعتصام في نهايته ، مع الإلمام بلحظة الضعف بينهما ، ليكتمل الصدق والواقعية والجو النظيف جميعا 79 . ولم يكن أمام يوسف إلا الهرب بدينه وإيمانه وخلقه . . وانطلقت وراءه في حركة مسعورة ، لترجعه بكل قوة . . حتى تمزّق قميصه من ذلك . . وكانت المفاجأة لهما بالمرصاد . . فألفيا سيدها لدي الباب . . وحاولت أن تبرئ نفسها لتكون في موقف الضحية . أمام المعتدي . . ولكن براءة يوسف كانت ظاهرة في نبرات صوته ، وصفاء روحه ، وفي شهادة حاله التي تأكدت بالحكم الذي وضع القضية في إطار مصلحته 80 . واقتنع الزوج ببراءة يوسف ، وأقبل علي امرأته ، لا ليدينها وحدها في شخصها ، بل ليجعل التهمة مشاعة في بنات جنسها جميعا . . " قال إنه من كيدكن " أيتها النساء " إن كيدكن عظيم " . . إنه يتهمها بأنها المدبرة لهذا المنكر ، والداعية إليه ، ولكنه يغلف هذا الاتهام بتلك الكياسة السياسية التي هي صنعة الملوك ، ومن في صحبة الملوك . . ثم ينهى هذا الموقف بالجمع بين المرأة وفتاها ، في مقام النصح واللوم والتأنيب . . فيقول ليوسف : " يوسف أعرض عن هذا " ثم يلتفت العزيز إلى امرأته قائلا : " واستغفري لذنبك إنّك كنت من الخاطئين " . . وفي التعبير بلفظ الخاطئين ، بدلا من الخاطئات ، ليخفف عنها وقع التهمة ، فلا يجعل الخطيئة مقصورة علي بنات جنسها وحدهن ، بل يشاركهن الرجال فيها ، ولو أنه كان يريد أن يلقي امرأته بالاتهام الصريح ، لقال لها : إنك كنت خاطئة . . . ولكنه ، كان يخاطبها بما يقضي به أدب الملوك ، ومن اصطناع الكياسة ، واللياقة واللطف " 81 . ويسدل الستار علي المشهد وما فيه . . وقد صور السياق تلك اللحظة بكل