سعيد عطية علي مطاوع
52
الاعجاز القصصي في القرآن
من أجل ذلك . . . من أجل وجود هذه النماذج في البشرية . . . من أجل الاعتداء علي المسالمين الوادعين الخيرين الطيبين ، الذين لا يريدون شرا ولا عدوانا . . . ومن أجل أن الموعظة والتحذير لا يجديان في بعض الجبلات المطبوعة علي الشر ، وأن المسألة والموادعة لا تكفيان الاعتداء حين يكون الشر عميق الجذور في النفس . . من أجل ذلك جعلنا جريمة قتل النفس الواحدة كبيرة من الكبائر ، تعدل جريمة قتل الناس جميعا ، وجعلنا العمل علي دفع القتل واستحياء نفس واحدة عملا عظيما يعد إنقاذ الناس جميعا . . ولقد كتب اللّه ذلك المبدأ علي بني إسرائيل ، لأنهم كانوا - في ذلك الحين - هم أهل الكتاب ، الذين يمثلون " دار الإسلام " ما أقاموا بينهم شريعة التوراة بلا تحريف ولا التواء . . ولكن بني إسرائيل تجاوزا حدود شريعتهم - بعد ما جاءتهم الرسل بالبيّنات الواضحة - وكانوا علي عهد رسول اللّه - صلي اللّه عليه وسلم - وما يزالون يكثر فيهم المسرفون المتجاوزون لحدود شريعتهم . والقرآن يسجل عليهم هذا الإسراف والتجاوز والاعتداء ، بغير عذر ، ويسجل عليهم كذلك انقطاع حجتهم علي اللّه وسقوطها بمجيء الرسل إليهم ، وبيان شريعتهم لهم 64 كما في قوله تعالي : ( وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ) ( سورة المائدة من الآية 32 ) وهل من إسراف أشدّ من تجاوز حدود اللّه ؟ والتعدّي علي شريعته ، بالتغيير أو بالإهمال ؟ إن هذه القصة الواقعية القصيرة أو " القصة الذريّة " 65 - قصة في خمس آيات - لأنها تشبه الذرة في ضآلتها ومساحة تأثيرها الكبير ، والتي قصّها علينا القرآن في إطار الحوار القصير ، تجسّد لنا الصورة الحيّة لشخصيّة الإنسان الشرير إلى جانب شخصية الإنسان الخيّر ، لتربطنا بفكرة الخير وتبعدنا عن فكرة الشر ، في موقف يوحي للناظر والمستمع ، بفظاعة موقف ذاك إزاء روعة موقف هذا ، حيث نري الجريمة خالية من كل مبرراتها وحيثياتها العادلة التي تجعل منها عملا عادلا ، لأنها نشأت من حالة نفسية معقدة بالحسد ، فليس للضحية فيها أي ذنب ، بل نجد - في