سعيد عطية علي مطاوع
51
الاعجاز القصصي في القرآن
حيث اتبع القرآن في هذه القصة أسلوب تصوير الشخصية ، وهو من الأساليب القرآنية الرائعة التي سار عليها وذلك بأن تقف الشخصيتان في حادثة معينة ، موقفين متباينين . . . ثم ينطلق الحوار الناطق ، كلمة بكلمة ، والحوار الصامت ، عملا بعمل ، ليعبّر عن المعاني التي تجيش في نفس كل منهما إزاء موقفه . . . ليفتح - من خلال ذلك - للإنسان الطريق الصحيح لممارسة الحياة في الإطار السليم 62 . أما عن السياق فتبدو القصة وإيحاءاتها ملتحمة التحاما قويا مع الأحكام التالية لها في السياق القرآني ، ويحس القارئ المتأمل للسياق بوظيفة هذه القصة في موضعها ، وبعمق الإيحاء الإقناعي الذي تسكبه في النفس وترسيه ، والاستعداد الذي تنشئه في القلب والعقل لتلقي الأحكام المشددة التي يواجه بها الإسلام جرائم الاعتداء علي النفس والحياة . . ولا يحدد السياق القرآني لا زمان ولامكان ولا أسماء القصة . وعلي الرغم من ورود بعض الآثار والروايات عن " قابيل وهابيل " وإنهما هما ابنا آدم في هذه القصة ، وورود تفصيلات عن القضية بينهما ، والنزاع علي أختين لهما . فإننا نؤثر أن نستبقي القصة ، كما وردت - مجملة بدون تحديد - لأن هذه الروايات كلها موضع شك في إنها مأخوذة عن قصة التوراة الواردة في سفر التكوين 63 وبقاء القصة مجملة - كما وردت في سياقها القرآني - يؤدي الغرض من عرضها ، ويؤدي الإيحاءات كاملة ، ولا تضيف التفصيلات شيئا إلى هذه الأهداف الأساسية . ولا يكتفي السياق بالانتهاء من عرض القصة ، بل يلتقط الآثار العميقة التي تتركها في النفس رواية النبأ بهذا التسلسل ، ليجعل منها ركيزة شعورية للتشريع الذي فرض لتلافي الجريمة في نفس المجرم ، أو للقصاص العادل إن هو أقدم عليها بعد أن يعلم آلام القصاص التي تنتظره : ( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ) ( سورة المائدة : 32 ) .