سعيد عطية علي مطاوع
50
الاعجاز القصصي في القرآن
إن القرآن لم يقتصر علي عرض لوحات مجردة لماضي الإنسانية في صراع قوي الخير وقوي الشر ، وإنما كان يهدف إلى بعث المثال من التاريخ ، لإثارة الانفعالات الموحية بالهداية والإيمان ، واستغلال الأحداث التاريخية في التربية ومعالجة النزعات النفسية في الإنسان ، وأمراض المجتمع الذي يعيش فيه بما لتلك الأحداث من قوة مفروضة علي النفس تحدث فيها انصهارا ووعيا ويقظة وإحساسا . ومن هنا كان هذا القصص التاريخي أشد تأثيرا وأسمي طموحا من التاريخ ، لأنه يمدّ الإنسان بسلاح الإيمان والثبات ، ويعرفه بما للّه من نواميس قارة في نظام الخلق والإبداع ، ومن سنن مطردة في نظام الأقوام والأمم ، سنن خاضعة لإرادة اللّه وليست مقيدة لها ، تتصل فيها الأسباب بالمسببات ، فلا تتغير أو تتحول محاباة من الناس ، لأنها محور عدل اللّه وحكمته في تدبير الأمور " 59 . 2 - القصة الواقعية : وهي التي تعرض أنموذجا لحالة بشرية ، فيستوي أن تكون بأشخاصها الواقعيين أو بأي شخص يتمثل فيه ذلك الأنموذج 60 . ومن أمثلة ذلك : قصة ابني آدم والتي وردت في قوله تعالى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) ( سورة المائدة : 27 - 31 ) . هذه القصة تقدم أنموذجا لطبيعة الشر والعدوان ، وأنموذجا كذلك من العدوان الصارخ الذي لا مبرر له . كما تقدم أنموذجا لطبيعة الخير والسماحة وأنموذجا كذلك من الطيبة والوداعة . وتقفهما وجها لوجه ، كل منهما يتصرّف وفق طبيعته 61 ،