سعيد عطية علي مطاوع
49
الاعجاز القصصي في القرآن
أما الظاهرة الثانية ، " فهي ظاهرة التناسق الفني في العرض . . . فإن المشهد الذي يعرضه السياق هو مشهد مكشوف في الطبيعة : الشمس ساطعة لا يسترها عن القوم ساتر . وكذلك ضمير ذي القرنين ونيّاته كلها مكشوفة لعلم اللّه . . . وكذلك يتناسق المشهد في الطبيعة وفي ضمير ذي القرنين على طريقة التنسيق القرآنية الدقيقة 57 . وهكذا تنتهي قصة ذي القرنين الأنموذج الطيب للحاكم الصالح ، يمكّنه اللّه في الأرض ، وييسر له الأسباب ، فيجتاح الأرض شرقا وغربا ، ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر ، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنى المادي ، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان ، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق ، ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه . إنما ينشر العدل في كل مكان يحلّ به ، ويساعد المتخلفين ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل ، ويستخدم القوة التي يسرها اللّه له في التعمير والإصلاح ، ودفع العدوان وإحقاق الحق . ثم يرجع كل خير يحققه اللّه على يديه إلى رحمة اللّه وفضل اللّه ، ولا ينسى وهو في إبان سطوته أن يعلن ما يؤمن به من أن الجبال والحواجز والسدود ستدك قبل يوم القيامة ، فتعود الأرض سطحا أجردا مستويا 58 : " قال هذا رحمة من ربى فإذا جاء وعد ربى جعله دكاء وكان وعد ربى حقا " . وهكذا فإن القصص التاريخي في القرآن وإن لم يكن عرضا تاريخيا بالمعنى المعروف ، لكنه حجة لا تقبل الطعن في إثبات ما قصّ من وقائع تاريخية وقد أبان وجه الحق فيما دخل علي بعض القصص من زيف أو تحريف ، سواء في كتب العهدين ، القديم والجديد ، أو في كتب التاريخ القديمة . وفي القرآن إشارات لا تخلو من أصول علم التاريخ وبذور فلسفته ، فعلى الدارس لقصصه ألا يقتصر على معرفة الوقائع ، بل عليه أن يعرف أسبابها ونتائجها وسننها ، ليتعمق في فهم الحكمة التي يسير بها هذا الوجود وفق نواميس هي من صنع اللّه ، وهي علي أكمل نظام ، وأتقن ترتيب .