سعيد عطية علي مطاوع
48
الاعجاز القصصي في القرآن
القاصرة يصيبه ما يصيب جميع أعمال البشر من القصور والخطأ والتحريف . ونحن نشهد في زماننا هذا - الذي تيسرت فيه أسباب الاتصال ووسائل الفحص - أن الخبر الواحد أو الحادث الواحد يروى على أوجه شتى ، وينظر إليه من زوايا مختلفة . ويفسّر تفسيرات متناقضة . ومن مثل هذا الركام يصنع التاريخ ، مهما قيل بعد ذلك في التمحيص والتدقيق . فمجرد الكلام عن استفتاء التاريخ فيما جاء به القرآن الكريم من القصص ، كلام تنكره القواعد العلمية المقررة التي ارتضاها البشر ، قبل أن تنكره العقيدة التي تقرر أن القرآن هو القول الفصل . . . وهو كلام لا يقول به مؤمن بالقرآن ، ولا مؤمن بوسائل البحث العلمي على السواء . إنما هو مراء ! ! ! 55 . لقد سأل سائلون عن ذي القرنين ، سألوا الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - فأوحى إليه اللّه بما هو وارد هنا من سيرته . . . وليس أمامنا مصدر آخر غير القرآن في هذه السيرة ، فنحن لا نملك التوسع فيها بغير علم ، وقد وردت في التفاسير أقوال كثيرة ولكنها لا تعتمد على يقين ، وينبغي أن تؤخذ بحذر ، لما فيها من إسرائيليات وأساطير . وقد سجل السياق القرآني لذي القرنين ثلاث رحلات : واحدة إلى المغرب ، وواحدة إلى المشرق ، وواحدة إلى مكان بين السدّين . ونقف هنا أمام ظاهرتين جديرتين بالملاحظة والاهتمام في هذه الرحلات الثلاث أولهما : إن اللّه سبحانه وتعالى جعل لذي القرنين عملا حين بلغ مغرب الشمس . . . وجعل له عملا حين بلغ بين السدّين . . . ولكن في الرحلة الثالثة لم يجعل له عملا . . . إذا لا شك أن المراد هنا هو ما ذكره اللّه سبحانه وتعالى : " لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً " . إن ذي القرنين قد وصل إلى مناطق في الأرض لا تغيب عنها الشمس فترة طويلة . . . أي أنه لا يتعاقب عليها الليل والنهار كباقي أجزاء الكرة الأرضية . . . بل تظل الشمس مشرقة عليها لفترة طويلة لا يسترها ظلام . فكأن اللّه تعالى يريد أن يخبرنا أن هناك أماكن في الأرض لا تخضع لقواعد تعاقب الليل والنهار كالتي تخضع لها باقي أجزاء الأرض ، وإنما تشرق الشمس عليها دون أن يسترها الظلام لفترة طويلة 56 .