سعيد عطية علي مطاوع

47

الاعجاز القصصي في القرآن

في هذه القصة لم يذكر القرآن شيئا عن شخصية ذي القرنين . . . ونحن كذلك لن ندخل في مناقشة حول من هو ذو القرنين شخصيته إلى آخر هذا . . . فليس المقصود في القرآن الكريم من تحديد أعلام القصص ، أن يحدد شخص بنفسه لأن التشخيص قد يفسد القضية . فإذا حاولنا أن نحدد من هم أصحاب الكهف مثلا . . . ومن هو فرعون موسى ، ومن هو قارون ، إلى آخر الشخصيات التي ذكرت في القرآن . فإننا نتوه عن الحقيقة التي أراد اللّه سبحانه وتعالى أن نعرفها . ذلك أن هذه الشخصيات تتكرر في كل زمان ومكان ، وهي قصص مضروبة لكل عصر ، والعبرة هنا تأتى بالشيوع ، أي تأتى على من تنطبق عليهم القصة ، في أي زمان كانوا وفي أي مكان وجدوا 52 ، وهذه هي السمة المطردة في قصص القرآن ، فالتسجيل التاريخي ليس هو المقصود ، إنما المقصود هو العبرة المستفادة من القصة 53 . . فعند ما يضرب اللّه مثلا بالذين كفروا : " امرأة نوح وامرأة لوط " ، فهو لا يعنى بذلك هاتين المرأتين بالذات فقط ، وإنما كل امرأة يكون زوجها صالحا وتخونه ، وعندما يضرب المثل بامرأة فرعون ، فإنما يعنى كل امرأة مؤمنة وزوجها كافر ، وهذا يتكرر في كل عصر ، والحادثة الوحيدة التي لن تتكرر هي قصة مريم ، ولذلك قال سبحانه وتعالى : " وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ " أي أنه نسبها لأبيها لأنها لا تتكرر . إذا فالتشخيص في القرآن الكريم ، ليس معناه انتهاء الحدث بالشخص ، ومن هنا فإننا حينما نتحدث عن ذي القرنين ، نتحدث عن رجل مكّن اللّه له من كل شيء ، وآتاه من كل شيء سببا ؛ ولا نتحدث عن الخلاف حول شخصية ذي القرنين ، ومن هو ، إلى آخر ما يراد به البعد عن الحكمة ، على فرعيات ليست مطلوبة 54 . ومن البدهي أنه لا تجوز محاكمة القرآن الكريم إلى التاريخ لسببين واضحين : أولهما : إن التاريخ مولود حديث العهد ، فاتته أحداث لا تحصى في تاريخ البشرية ، ولم يعلم عنها شيئا . والقرآن يروى بعض هذه الأحداث التي ليس لها لدى التاريخ علم عنها . وثانيهما : إن التاريخ ، وإن وعى بعض هذه الأحداث - هو عمل من أعمال البشر