سعيد عطية علي مطاوع
268
الاعجاز القصصي في القرآن
علي اللسان عند إنشاء الشعر مئونة ، وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج ، فتعلم أنه أفرغ إفراغا جيدا ، وسبك سبكا واحدا ، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان " 37 . وتكاد تنحصر أسباب انسجام التأليف في النسيج الصوتي للمفردات التي تتشكل منها الجملة حيث تتكون الكلمة في التشكيل المنسجم من حروف ذات صفات معينة تتناغم مع المعني والجو الذي يدور في إطاره النص ، وهذه الميزة وإن تحققت في كلام الأدباء والشعراء فإنها عزيزة المنال قلما نجدها عند أديب أو شاعر . . أما القرآن الكريم كتاب اللّه المعجز ، فتتحقق فيه بشكل مطرد ، حيث يتضح فيه تخيّر النسيج الصوتي للكلمات بما يقرّب الشعور بالمعني ويعمّق الإحساس بالمضمون ومن ذلك قوله تعالي في قصة نوح عليه السلام : " قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ " ( سورة هود : 48 ) . . نلاحظ اجتماع سبع ميمات في أربع كلمات : " أمم ممن معك وأمم " وتزيد هذه الميمات فتصل تسعا مع النطق والقراءة التجويدية حيث تضعّف الميم الثانية في " ممن " وتقلب النون ميما فيها وتدغم في الميم بعدها ، حتى ينشأ من هذا أن الكلمات الأربع تكاد تكون كلها ميمات ، والعبرة في كيفية النطق بهذه الميمات وما يحدثه من ضم شديد في الصوت يصحبه ضم شديد متوال للشفتين عند أداء هذه الميمات الملتصقة . . . من البدهي أن الآية بأدائها الصوتي تعكس ما كان عليه أصحاب نوح عليه السلام والذين معه من اجتماع وانضمام حول مبدأ واحد وعقيدة واحدة ، والاجتماع حول مبدأ والالتفاف من حوله يولّد في نفوس المجتمعين إحساس الانتماء الشديد والضم اللصيق وخصوصا في مثل تلك الظروف التي كان عليها أصحاب نوح في السفينة ، وبهذه الأصوات والحروف نقل إلينا القرآن الكريم هذا المعني المقرون بتلك الأحاسيس . . وكان يمكن أن يقال : اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلي من اتبعك ، ويكون هذا مؤديا للمعنى الأول المباشر ، ولكن ليس هذا هو مجرد ما يريده التعبير القرآني ، إنه يريد خلق التجاوب النفسي مع هذه الصحبة المباركة وأن يخلق