سعيد عطية علي مطاوع
261
الاعجاز القصصي في القرآن
الذين ينفرون معا للقتال أو غيره ، والقوم هم الذين يقومون قومة واحدة للقتال خاصة ، ولهذا أطلقت أولا علي الرجال ثم شملت الرجال والنساء ، ومن هنا قوله تعالي : " وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ " بعد قوله " لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ " ( سورة الحجرات : 11 ) وتلحظ هذه المناسبة المستمرة من الاستعمال الحسّي في أسماء الأمكنة ، فالمنزل حيث ينزل الإنسان ، والبيت حيث يبيت بالليل ، وكذلك الموقع والمرجع والمأوى 30 . وعلي الرغم من هذا التطور الدلالي فإن الاستعمال الحسّي الأول يظل عالقا بالكلمة فيجعلها موحية بظلال خاصة مستمرة من ذلك الأصل الحسّي . . . فهناك ألفاظ كانت تستخدم قديما للدلالة علي أمر حسّي ، ثم انتقلت علي سبيل التجوّز في البداية بمعني تعارف الاستعمال اللغوي علي أن الكلمة ليست علي حقيقتها ، ثم لمّا شاع الاستعمال المعنوي الجديد صار حقيقة فيه ، لكن الكلمة تظلّ محتفظة بظلّ من الاستعمال الحسّي الأوّل ، فتكون موحية بمعان شتى مستمدة من أصل استعمال ، ومن دلالات تعلّقت بها في تاريخ استعمالها الطويل ، مع ما قد نخلفه عليها من ظلال أنفسنا ومشاعر ذواتنا . ومن ذلك قوله تعالي : " يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ " ( سورة الأنعام : 130 ) . عبّر عن التبليغ بقوله : " يَقُصُّونَ " للإشارة إلي ذهاب الرسل في التبليغ مذهب التوضيح والتفصيل والتشويق والملاطفة شأنهم في ذلك شأن الذي يقصّ علي نفر قصة من القصص " يقال : قصّ الكلام أو الأخبار : تتّبعها بالرواية " . وقصّ الأخبار من قصّ الأثر أي تتبعه ، وقد استخدم القرآن المادة في هذا الأصل الذي يظن أنه أولي مراحل استخدام الكلمة ، قال تعالي " وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ " ( سورة القصص : 11 ) أي تتّبعي أثره . وبهذا تتبيّن المراحل التي مرّت بها هذه المادة من قصّ الأثر إلي قصّ الأخبار ، ثم " يقصّون عليكم آياتي " وهذه الاستعمالات التي تتابعت علي الكلمة في رحلتها الطويلة أكسبتها ذلك الإيحاء الذي نستشعره