سعيد عطية علي مطاوع
262
الاعجاز القصصي في القرآن
عند تلاوة الآية وأكسبها تلك القدرة علي تصوير المعني وعرضه مشاهدا 31 . أما المحسنات اللفظية البديعية فهي نوع من التسخير الواعي لما يمكن للقيم الصوتية وظاهرة الحكاية أن تثيره في نفس المتلقي ، يصدق ذلك علي الجناس تاما كان أم ناقصا وعلي المشاكلة في اللفظين وما أشبههما من المحسنات . وأن النص القرآني ليحسن استعمال ذلك ويحمله من الأغراض ما لا يمكن الوصول إليه إلا من خلاله ومن أمثلة ذلك في قصة موسى : " وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ " ( الأعراف : 127 ) . إذا نظرنا إلي استعمال الفعلين " تذر " ويذر " إذ يتفقان ويختلفان معني ، فإما بالنسبة لفرعون فإنه إذ " يذر " موسى إنما يتوانى عن عقابه فالترك هنا نوع من التسامح ، وأما بالنسبة لموسى فإنه " يذر " بمعني " يتخلّى " عنه وعن آلهته ليعبد اللّه إلها واحدا . وكذلك في قصة مريم ، يقول اللّه تعالي في سورة آل عمران : " وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ " ( آل عمران آية 42 ) . . فقوله " اصْطَفاكِ " أولا بمعني " اختارك " والثاني بمعني " فضّلك " فالاتفاق في اللفظ دون المعني 32 . والإيحاء قد نجده في كلمة من العبارة ، وقد نجد أكثر كلمات العبارة موحية ، هذا مرتبط بالجو النفسي والحال والمقام ، علي أن هذا الإحساس بهذه الميزة مرهون برهانه الحسي وقوة التجاوب مع القيم الصوتية لألفاظ اللغة وعندما نتتبع الكلام العربي نجد أن الإيحاء سمة من سمات الكلام الموجز الممتلئ بالمعاني والأحداث والمفعم بالمشاعر الإنسانية ، ولهذا تطرد هذه الميزة في كلمات القرآن الكريم ، وهي أوضح ما تكون في قصصه ، ولنأخذ قصة يوسف عليه السلام أنموذجا لتوضيح بريق الإيحاء في كلماتها وارتباطه بسائر المغزى أو بالشعور السائد في العبارة ، ويبرز المشهد التالي من القصة دور الإيحاء في تلوين المشهد وتجسيد أدق مشاعر الأشخاص فيه : قال تعالي : " وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها