سعيد عطية علي مطاوع

203

الاعجاز القصصي في القرآن

هذا المعنى ( التكرار ) على بعض الملحدة وأشباههم ومن لا نفاذ لهم في أسرار العربية ومقاصد الخطاب والتأتي بالسياسة البيانية إلى هذه المقاصد ، فزعموا به المزاعم السخيفة وأحالوه إلى النقص والوهن ، وقالوا إن هذا التكرار ضعف وضيق من قوة وسعة ، وهو - أخزاهم اللّه - كان أروع وأبلغ وأسري عن الفصحاء من أهل اللغة والمتصرفين فيها ، ولو أعجزهم أن يجيئوا بمثله ما أعجزهم أن يعيبوه لو كان عيبا " 11 ويقول أيضا : وفي بعض ذلك التكرار معني آخر فطن إليه بعض علمائنا ولم يكشف لهم عن سره ، وأول من نبّه عليه الجاحظ في كتاب ( الحيوان ) إذ قال " ورأينا اللّه تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب ، أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف ، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكي عنهم جعله مبسوطا وزاد في الكلام " 12 . وأما ( أبو هلال العسكري ) فقد ذكر التكرار عند حديثه عن الإطناب ، ويبدو أنه قد نقل عبارة الجاحظ ، حيث بيّن أن التكرار لا يصار إليه إلا إذا اقتضاه المقام ، وأنه قد كثر في القرآن في خطاب بني إسرائيل لقلة فهمهم فيحتاجون إلى الشرح والإيضاح والتأكيد ، بينما كان الخطاب للأعراب ، بالإشارة والوحي لعدم حاجتهم إلى ذلك ، ومثل له من القرآن وفصيح الشعر " 13 . وإذا كان تفسير هؤلاء الباحثين المتقدمين لبلاغة التكرار في القرآن يتسم بالتعميم ، وتكاد معظمها تتفق علي أن التكرار لا يصار إليه إلا إذا اقتضاه المقام : كالتأكيد والوعد والوعيد ، فإن " جار اللّه الزمخشري " قد نهج نهجا يقوم علي التحليل النفسي والتعمق والتغلغل في كشف الأسرار النفسية والبواعث البلاغية التي بسببها كان هذا التكرار ، في كلام اللّه عز وجل وفي القصص التي ساقها ، إذ يري الزمخشري " أن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس ، وتثبيتا لها في الصدور " . . . ومن ذلك قوله تعالي : " إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ " 14 فيقول الزمخشري : " كرّر في هذه السورة في أول كل قصة وآخرها هذه الآية لأن كل قصة