سعيد عطية علي مطاوع
199
الاعجاز القصصي في القرآن
فشبهة التكرار - كما نرى - ما جاءت إلا من تكرار الشخصية ، وعدم الوعي بقيمتها في القصة القرآنية 4 . ولقد حظي هذا الموضوع بجهود البلاغيين والنقاد قديما وحديثا ، واستغرق قدرا كبيرا من جهدهم ، وما من مؤلف في البلاغة والنقد قديما وحديثا إلا تناول هذه الظاهرة في القصة القرآنية ، ولقد انقسم الباحثون إلى فريقين الأول يري أن التكرار منهج ثابت من مناهج القرآن ، ولا يوجد فقط في القصة القرآنية وأنباء الرسل ، وأحاديث الأقوام الغابرين ؛ بل يوجد في كل ما تناوله كتاب اللّه العظيم قياما بالرسالة التي أسندها اللّه إليه وأنزل آياته من أجلها ، أما الفريق الآخر فينفي التكرار تماما ، وفيما يلي نوضح أهم آراء هذين الفريقين : يقول صاحب البرهان : " لقد غلط من أنكر كونه ( أي التكرار ) من أساليب الفصاحة ، ظنا أنه لا فائدة له ، وليس كذلك بل هو من محاسنها ، لا سيما إذا تعلق بعضه ببعض ، وذلك أن عادة العرب في خطاباتها ، إذا أبهمت بشيء إرادة لتحقيقه وقرب وقوعه ، أو قصدت الدعاء عليه ، كرّرته توكيدا ، وكأنها تقيم تكراره مقام المقسّم عليه أو الاجتهاد في الدعاء عليه ، حيث تقصد الدعاء ؛ وإنما نزل القرآن بلسانهم ، وكانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض ، وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة . وعلي ذلك يحتمل ما ورد من تكرار المواعظ والوعد والوعيد ، لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة ، وكلها داعية إلى الشهوات ، ولا يقمع ذلك إلا تكرار المواعظ والقوارع ، وقال تعالي : " وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ " 5 وبذلك تكون الفائدة العظمي من التكرار هي التقرير ، وقد قيل : الكلام إذا تكرّر تقرر ، وقد أخبر اللّه سبحانه بالسبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والأخبار في القرآن فقال : " وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ " ( القصص : 51 ) ، وقال : " وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً " ( طه : 113 ) ، وحقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معني ، خشية تناسي الأول ، لطول العهد به ثم ينتقل " صاحب البرهان " إلى تكرار القصص في القرآن