سعيد عطية علي مطاوع
170
الاعجاز القصصي في القرآن
الذي يأخذه فيه تركيب الحياة من تناسب الأجزاء في الدقيق والجليل ، وقيام بعضها ببعض لا يغني منها شيء عن شيء في أصل التركيب وحكمته . . وروح التركيب هذه ، لم تعرف قط في كلام عربي غير القرآن ، وبها انفرد نظمه وخرج مما يطيقه الناس ولولاها لم يكن بحيث هو كأنما وضع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين ، إذ نراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة وتأليفها ، ثم إلى تأليف هذا النظم : فمن هاهنا تعلّق بعضه على بعض ، وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة ، هي صفة إعجازه في جملة التركيب ، وإن كان فيما وراء ذلك متعدد الوجوه التي يتصرف فيها من أغراض الكلام ومناحى العبارات على جملة ما حصل به من جهات الخطاب 51 . كالمواعظ والحكم والتعليم ، وضرب الأمثال ، هذا غير القصص القرآني الذي لا تخلو قصة من قصصه إلا وضمير الجلالة للمتكلم يحرسها ويحميها من فطنة أن تكون من كلام أحد غير اللّه سبحانه . " وإذا كان علماء المعاني يجعلون البلاغة درجات فإنهم مقرّون دون جدال أن صياغة العبارة القرآنية في الطرف الأعلى من البلاغة الذي هو الإعجاز عينه " 52 . . حقيقة أن القرآن كان علم البلاغة عند العرب ، ثم صار بعدهم بلاغة هذا العلم . . إذا لا يحق القول إن القرآن جاء بالاستعارة أو بالمجاز لأنه مجاز ، أو بالكناية لأنها كناية ، أو ما يطرد مع هذه الأسماء والمصطلحات إنما أريد به وضع معجز في نسق ألفاظه ، وارتباط معانيه علي وجوه السياستين من البيان والمنطق ، فجري علي أصولهما في أرقي ما تبلغه الفطرة اللغوية علي إطلاقها في هذه العربية ، فهو يستعير حيث يستعير ، ويتجوّز حيث يتجوّز ، ويطنب ويوجز ويؤكد ويعترض ويكرّر إلى آخر ما أحصي في البلاغة ومذاهبها ، لأنه لو خرج عن ذلك لخرج من أن يكون معجزا في جهة من جهاته ولاستبان فيه ثمة نقص يمكن أن يكون في موضعه ما هو أكمل منه وأبلغ في القصد والاستيفاء ، فما البلاغة كلها إلا بعض الوسائل في التنبيه إليه ، فهي تعطى القدرة على النظر والفهم ولكنها لا تعطى بمقدار ذلك في العمل والصنعة ، ولذلك سوف نجمل تفصيلا أو نشير إلى بعض الوجوه المعجزة في لغة القصة القرآنية من الناحية البلاغية ، فالقرآن الكريم ليس كتابا يتخير منه فيستجاد