سعيد عطية علي مطاوع

160

الاعجاز القصصي في القرآن

ومثل هذا ، اختلاف التعبير بهما في قصة نوح ، في الآية الكريمة : " وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً " ( سورة العنكبوت : 14 ) . وكان مقتضى التناسب البلاغي في السياق يتطلب المطابقة بينهما في أسلوب الاستثناء ، فيقال ( ألف سنة إلا خمسين سنة ) . . وإنما خالف بينهما على هذا النحو ، للدلالة على أنهما زمانان متغايران وأن أيام لبثه عليه السلام في دعوة قومه كانت أيام معاناة ومشقة وجهاد ، لاقى فيها أشدّ ألوان العنت والمخاصمة مما جعله يشكو إلى اللّه إصرارهم على الكفر ، وعنادهم لدعوة الحق ويستصرخه : " قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً " ( نوح : 5 - 7 ) . " قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً " ( سورة نوح : 21 - 22 ) . ولما اشتد عنتهم وزاد ضلالهم قال : " وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً " ( سورة نوح : 26 ) . مما يدل على أن أيامه معهم كانت سنين مشقة لا أعوام راحة ورخاء ، ثم جاء الطوفان فاقتلع جذور الكفر وطهر وجه الأرض وعمّ السلام والأمان والرخاء فعاش عليه السلام أياما هي أعوام رخاء ووئام 32 . - أكل . . . وافترس يقول " الخطابي " في تفسيره لقوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام : " وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ " سورة يوسف من آية 13 . وأن الافتراس معناه في فعل السبع القتل فحسب ، أصل الفرس دق العنق ، والقوم إنما ادّعوا على الذئب أنه أكله أكلا ، وأنه أتى على جميع أجزائه وأعضائه ، فلم يترك مفصلا ولا عظيما ، وذلك أنهم خافوا مطالبة أبيهم إياهم بأثر باق يشهد على صحة ما ذكروه ، فادّعوا فيه الأكل ، ليزيلوا عن أنفسهم المطالبة ، والفرس لا يعطي تمام هذا المعنى ، فلم يصلح على هذا أن يعبّر عنه إلا بالأكل 33 .