سعيد عطية علي مطاوع

151

الاعجاز القصصي في القرآن

اعتبارا في إعجاز النظم الموسيقا في القرآن وقصصه ، لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها ، ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر ، والشدة والرخاوة ، والتفخيم والترقيق ، والتفشي والتكرير ، ونحو ذلك مما هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقا . . . وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلا صور تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقا ، وهي متّفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيبا يلائم نوع الصوت والوجه الذي يساق عليه بما ليس وراءه في العجب مذهب ، وتراها أكثر ما تنتهي بالنون والميم ، وهما الحرفان الطبيعيان في الموسيقا نفسها ، أو بالمدّ ، وهو كذلك طبيعي في القرآن 9 ، فإن لم تنته بواحدة من هذه ، كأن انتهت بسكون حرف من الحروف الأخرى ، كان ذلك متابعة لصوت الجملة وتقطيع كلماتها ، ومناسبة للون المنطق بما هو أشبه وأليق بموضعه ، وعلي أن ذلك لا يكون أكثر ما نجد إلا في الجمل القصار ، ولا يكون إلا بحرف قوي يستتبع القلقلة أو الصفير أو نحوهما مما هو ضروب أخري من النظم الموسيقا 10 . وبتطبيق هذا النظم الموسيقا العجيب علي سورة " مريم " ، الذي يستغرق القصص نحو ثلثيها ، نحسّ أن للصورة إيقاعا موسيقيا خاصا . فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه رخاء وفيه عمق : " رضيا . سريا . حفيا . نجيا ، فأما المواضع التي تقتضي الشد والعنف ، فتجيء فيها الفاصلة مشددة دالا في الغالب : مدّا . ضدّا . إدّا . هدّا ، أو زاء : عزّا ، أزّا . وتنوّع الإيقاع الموسيقا والفاصلة بتنوّع الجو والموضوع يبدو جليا في هذه السورة . فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى ، فتسير الفاصلة هكذا : " ذكر رحمت ربك عبده زكريا . إذ نادي ربه نداء خفيا . . . الخ " 11 وتليها قصة مريم وعيسى فتسير الفاصلة علي النظام نفسه : " واذكر في الكتب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا . فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا . . . إلخ " 12 إلى أن ينتهي القصص ، ويجئ التعقيب ، لتقرير حقيقة " عيسى بن مريم " وللفصل في قضية