سعيد عطية علي مطاوع
152
الاعجاز القصصي في القرآن
نبوته ، فيختلف نظام الفواصل . . . فتطول الفاصلة ، وتنتهي بحرف الميم أو النون المستقر الساكن عند الوقف لا بالياء الممدودة الرخيّة علي النحو التالي : " ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون . ما كان للّه أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون . . إلخ " 13 . وهكذا يتغيّر نظام الفاصلة فتطول ، وتصبح بحرف النون أو بحرف الميم وقبلهما مدّ طويل . وكأنما هو في هذه الآيات الأخيرة يصدر حكما بعد نهاية القصة ، مستمدا منها . ولهجة الحكم تقتضي أسلوبا موسيقيا غير أسلوب الاستعراض وتقتضي إيقاعا قويا رصينا ، بدل إيقاع القصة الرخيّ المسترسل ، وكأنما لهذا السبب كان التغيير . . وبمجرد الانتهاء من إصدار هذا الحكم وإلقاء ذلك التقرير وعاد السياق إلى القصص عادت الفاصلة الرخيّة المديدة : " واذكر في الكتب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا . إذ قال لأبيه يابت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا . . إلخ " 14 . حتى إذا جاء ذكر المكذبين وما ينتظرهم من عذاب وانتقام ، تغيّر الإيقاع الموسيقا ، وجرس الفاصلة : " قل : من كان في الضللة فليمدد له الرحمن مدا . حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب ، وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا . . . إلخ " 15 وفي موضع الاستنكار يشتد الجرس والنغم بتشديد الدال : " وقالوا : اتخذ الرحمن ولدا . لقد جئتم شيئا إدا ، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا . . . الخ " 16 . " وهكذا يسير الإيقاع الموسيقا في السورة وفق المعني والجو ، ويشارك في إبقاء الظل الذي يتناسق مع المعني في ثنايا السورة ، وفق انتقالات السياق من جو إلى جو ، ومن معنى إلى معنى " 17 . " إن الفاصلة القرآنية ترد وهي تحمل شحنتين في آن واحد : شحنة من الوقع الموسيقا ، وشحنة من المعنى المتمّم للآية . فالمعنى هو الذي يتحكم في نوع الفاصلة ،