سعيد عطية علي مطاوع

148

الاعجاز القصصي في القرآن

أعظم العبر ، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر " وحتى عندما يصل العمل إلى " الصورة النهائية " فإن ذلك لا يكون إيذانا بالكمال أبدا ، فالصورة المكتملة ليست كاملة لأنها تستند إلى معايير لا تفتأ تختلف من مكان إلى مكان ومن عصر إلى عصر . . . ومن جمهور إلى جمهور في نفس الزمان والمكان " 2 . هذه الظاهرة واضح كل الوضوح أن عكسها وهو الثبات ، والتناسق ، هو الظاهرة الملحوظة في القرآن - ونحن نتحدث فقط عن ناحية التعبير اللفظي والأداء الأسلوبي - " فهناك مستوى واحد في هذا الكتاب المعجز - تختلف ألوانه باختلاف الموضوعات التي يتناولها - ولكن مستواه وأفقه ، والكمال في الأداء بلا تغير ولا اختلاف من مستوى إلى مستوى - كما هو الحال في كل ما يصنع الإنسان - إنه يحمل طابع الصفة الإلهية ويدل علي الصانع ، يدل علي الموجود الذي لا يتغير من حال إلى حال ، ولا تتوالى عليه الأحوال " 3 . وإذا تأمّلنا القصة القرآنية والأسلوب الذي قدّمت به ، وما له من تأثير نفسي وفني ، اتّضح وجه تسميتها " بالقصة " لا استنادا إلى مدلولها اللغوي فقط ، باعتبار أن أصل الاشتقاق للفظ " قصة " يلتقي في المعنى مع المدلول الذي انبنى عليه أصل التسمية القرآنية ، وهو : الإعلام بالنبإ " نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ " ( سورة الكهف : 13 ) ، أو تتبّع الأثر وتقصّيه : " وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ " ( سورة القصص : 11 ) ، بل واعتمادا علي ما في عرضها من طرق فنية ، " رغم أن شروط القصة بمعناها الاصطلاحي لا تنطبق عليها غالبا ، لأنها إلى الأقصوصة أقرب ، وذلك لقصرها ، واقتصار القرآن في أكثر الأحيان علي ذكر حلقة منها أو أكثر وعدم استيفائها كل عناصر القصة مجتمعة ، من حوار وأشخاص وزمان ومكان وعقدة ، كما شاع ذلك في معظم القصص الفني " 4 . فالقصة القرآنية لا يقصد بها العمل الفني المجرد ، بل هي مزيج من العمل الفني والعلمي والديني ، كما هو شأن البيان القرآني جميعه ، ومعني ذلك أن من يطلب فيها أحد تلك المقاصد لا شك أنه واجده فيها علي أرقى ما يمكن أن يصل إليه الكمال في العمل الأدبي ، كما أشار البيان القرآني نفسه إلى ذلك في قوله تعالى : " نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ " ( سورة