سعيد عطية علي مطاوع
147
الاعجاز القصصي في القرآن
مقدمة : يقول تعالى : " أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً " ( سورة النساء : 82 ) . إن التناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من يتدبر هذا القرآن أبدا . ومستوياتها ومجالاتها مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها ، ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها - بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه - ما يملك إدراكه ، في محيط يتكيّف بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى . . . ومن ثمّ فإن كل فرد ، وكل جيل ، مخاطب بهذه الآية ، ومستطيع - عند التدبر وفق منهج مستقيم - أن يدرك من هذه الظاهرة - ظاهرة عدم الاختلاف ، أو ظاهرة التناسق ما تهيّئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه . تتجلّى هذه الظاهرة - ظاهرة عدم الاختلاف " ابتداء في التعبير القرآني من ناحية الأداء وطرائقه الفنية . . . ففي كلام البشر تبدو القمم والسفوح ، التوفيق والتعثّر ، القوّة والضعف ، التحليق والهبوط . . . إلى آخر الظواهر التي تتجلّى معها سمات البشر ، وأخصّها سمة " التغيّر " أي الاختلاف المستمر الدائم من حال إلى حال ، يبدو ذلك في كلام البشر ، واضحا عندما نستعرض أعمال الأديب الواحد ، أو المفكر الواحد ، أو الفنان الواحد ، أو أي كان في صناعته ، التي يبدو فيها الوسم البشري واضحا . . . وهو التغيّر والاختلاف " 1 . والحقيقة أن النقد الحديث يقول إن " العمل الفني يطمح إلى الكمال ، أي أنه في صورته المثالية كامل - ولكنه لا يرقى إلى هذه الصورة المثالية أبدا ، فهو مرتبط بنقصان البشر ، وما هو في الحقيقة إلا سجل مجد لمشاعر وأفكار أبعد ما تكون عن الكمال شكلا ومضمونا ، ويقول العماد الأصفهاني : " لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده : لو غيّر هذا لكان أحسن ولو زيد كذا لكان يستحسن ، ولو قدّم هذا لكان أفضل ، ولو ترك هذا لكان أجمل . وهذا من