سعيد عطية علي مطاوع

129

الاعجاز القصصي في القرآن

والتشريعية وحدة متناسقة ، وإن تنوعت طرقه في التبليغ ، والتعليم قصد الإمعان في التأثير ، وتجديد نشاط النفس بتجدد انتقاله في السورة الواحدة من غرض إلى آخر ، مع ارتباط وثيق بالمحور العام الذي يجمع تلك الأغراض علي اختلافها . . ولهذا كانت الوسائل والأهداف في القصة القرآنية مرتبطة ارتباطا وثيقا ، فبحيوية العرض في القصة ، وقوة التخييل والتصوير فيها ، وتهيئة اللحظة الحاسمة التي تبلغ فيها حرارة الانفعال النفسي درجة الانصهار ، يحصل من التأثير بالتوجيه التربوي ما لا يحصل عند إقحام ذلك التوجيه علي النفس وهي في راحتها واسترخائها ، أو في انطلاقها وتحررها . ففي قصص القرآن إذا تربية دينية لها أثر عميق في النفوس مصدرها : عقيدة تضم الخالق والإنسان والكون ، وتقوم علي أساس أن كل خلق كريم هو في ذلك الشعور الباطن ، وهو الإيمان باللّه الذي جعل الكون معرضا رائعا تتجلي فيها حقيقة الألوهية بآثارها ، وتملأ جوانب الإنسانية بآياتها : " فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ " ( سورة يونس : 98 ) . والحقيقة التي يؤكدها القصص القرآني أن موازين القيم والأخلاق مرتبطة بميزان اللّه . فالكفر ظلمة وضلال ، والإيمان نور وهداية ، فلا إصلاح بغير عقيدة ، ولا تربية بغير إيمان " وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ " ( سورة النور : 40 ) . ولذلك كان للقصة القرآنية دورا عظيما في تربية العقيدة وتعهدها وتنميتها ، إذ ليست الغاية من التربية سوي تكوين العواطف الصالحة ، ولكن هذه العواطف لا تصبح أساسا للخلق الكريم إلا إذا تحولت إلى اتجاهات يكون ينبوعها الدائم هو العقيدة ، مصدر الإيمان والخير والأمن 199 . ولقد واجه " إِبْراهِيمَ " قومه الجاحدين المشركين بحجة ألهمه اللّه إياها ، وهي أن من يخلص للّه لا يخاف من دونه ، فهو أحق بالاطمئنان والأمن من الملحد والمشرك ، " وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ " ( الأنعام : 81 - 82 ) .