رجاء بنت محمد عودة

68

الاعجاز القرآني وأثره على مقاصد التنزيل الحكيم

هذه الدقة الأدائية العالية أن الحرف يستقل بمفرده بطرح مبدأ عقدي ؛ وهذا ما نلحظه في قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ( هود : 6 ) . هذه الآية أفادت تجسيد صفة من صفات الربوبية وهي « الرزق » ، إذ ما من دابة على الأرض من إنسان وحيوان إلا وقد تكفل الخالق سبحانه بتهيئة أسباب رزقها ! فكما كان هو خالقها كان هو رازقها . وهذا المعنى الدلالي لمفهوم عطاء الربوبية جسده في الآية الكريمة حرف « على » تجسيدا دقيقا ، بحيث لا يؤدي هذا شئ آخر يوازيه في الوظيفة المعنوية ؛ كأن يستخدم الظرف « عند » بدلا من « على » ، علما بأن السياق يستقيم معنويا وعقديا وأسلوبيا فيما لو جاءت الآية على هذا النحو : ( وما من دابة في الأرض إلا عند اللّه رزقها ) بيد أن التعمق لكلا السياقين يكشف عن بون شاسع بينهما ، مما يتنافى مع مقتضى عطاء الربوبية الذي جسدته الآية ؛ لأن استخدام « عند » لا يلزم الأداء ، فقد أقول « رزقك عندي ولكني سأحرمك منه » أما لو قلت : « رزقك عليّ » فأنا ملزم أن أمدك به ، واللّه سبحانه لا يلزمه شيء ، ولكنه ألزم نفسه بنفسه تفضلا منه وكرما .