مصطفى صادق الرافعي

97

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

الحافظ للصور ؛ وقابلها بالشمس « 1 » ، لأنها بين العلوي والسفلي كذلك ، وجعل التي قبلها علوية ، لأن الطور الإنساني فيها لا حركة له ولا اختيار ، فكأنه هو المتوليه أصالة وإن كان في الحالات كلها كذلك لكن هو أظهر ، فانظر إلى دقائق مطاوي هذا الكتاب المعجز وتحويله العلقة إلى المضغة يقع في دون الأسبوع . ( وثانيها ) : مرتبة العظام المشار إليها بقوله : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً أي صلّبنا تلك الأجسام بالحرارة الإلهية حتى اشتدت وقبلت التوثيق والربط الإحكام والضبط ، وهذه مرتبة الزّهرة ، وفيها تتخلق الأعضاء المنوية المشاكلة للعظام أيضا ويتحول دم الحيض غاذيا كما هو شأن الزهرة في أحوال النساء . وقوله فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً أي حال تحويل الدم غاذيا للعظام لا يكون عنه إلا اللحم والشحم وكل ما يزيد وينقص ، وهذا شأن عطارد ، تارة يتقدم وتارة يتأخر ويعتدل ، وكذا في اللحم البدن ، وهذه المرتبة هي التي يكون فيها الإنسان كالنبات ، ثم يطول الأمر حتى يشتد ، ثم يتم إنسانا يفيض الحياة والحركة بنفخ الروح ، فلذلك قال معلما للتعجب والتنزيه عند مشاهدة دقيق هذه الصناعة ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ وهذا هو الطور السابع الواقع في حيّز القمر . وفي هذه الآية دقائق : ( الأولى ) : عبر في الأول بخلقنا ، لصدقه على الاختراع ، وفي الثاني بجعلنا لصدقه على تحويل المادة ، ثم عبر في الثالثة وما بعده كالأول لأنه أيضا إيجاد ما لم يسبق ، ( الثانية ) : مطابقة هذه المراتب لأيام الكواكب المذكورة ومقتضياتها للمناسبة الظاهرة وحكمة الربط الواقع بين العوالم ، ( الثالثة ) : قوله فَكَسَوْنَا وهي إشارة إلى أن اللحم ليس من أصل الخلقة اللازمة للصورة ، بل كالثياب المتخذة للزينة والجمال ؛ وأن الاعتماد على الأعضاء والنفس خاصة ، ( الرابعة ) : قوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ سماه بعد نفخ الروح إنشاء لأنه حينئذ قد تحقق بالصورة الجامعة « 2 » ، ( الخامسة ) : قوله خلقا ولم يقل إنسانا ولا آدميا ولا بشرا « 3 » لأن النظر فيه

--> ( 1 ) يرى مفسرنا أن أطوار الخلق في الآية سبعة تقابل الكواكب السبعة السيارة ؛ فإن صح هذا كانت الآية فوق الإعجاز . ( 2 ) قلنا : وقد ثبت أن الجنين أو تخلقه يكون في الإنسان والحيوان على شكل واحد ، فتحوله إلى الصورة الإنسانية بعد ذلك هو إنشاؤه خلقا آخر ولا ريب . فتأمل هذا الإعجاز الدقيق العجيب . ولو فسرت الخلق الآخر بظهور آثار الوراثة التي كانت في الخلية لكان قولا جليلا ، لأن كل مولود يكاد يكون بهذه الوراثة يكون خلقا على حدة . وآخر ما انتهى إليه العلم أن هذه الوراثة هي التي تنوع العالم الإنساني وتدفعه في سبيل الأقدار . ( 3 ) لو قال إنسانا ، أو آدميا ، أو بشرا لوجب أن يكون في كل مخلوق إنسانية صحيحة ، أو آدمية من آدم ، أو بشرية بالمقابلة من الملكية ، وليس كل مخلوق كذلك بل في الناس الأعلى والأسفل ، فتأمل .