مصطفى صادق الرافعي

98

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

حينئذ لما سيفاض عليه من خلع الأسرار الإلهية ، فقد آن خروجه من السجن وإلباسه المواهب ، فقد يتخلق بالملكيات فيكون خلقا ملكيا قدسيا ، أو بالبهيمية فيكون كذلك ، أو بالحجرية إلى غير ذلك ؛ فلذلك أبهم الأمر وأحاله على اختياره وأمر بتنزيهه على هذا الأمر الذي لا يشاركه فيه غيره . وفي الآية من العجائب ما لا يمكن بسطه هنا ، وكذلك سائر آيات هذا الكتاب الأقدس : ينبغي أن تفهم على هذا النمط . انتهى كلام الحكيم المفسر . وأنت لو عرضت ألفاظ هذه الآية على ما انتهى إليه علماء تكوين الأجنة وعلماء التشريح وعلماء الوراثة النفسية ، لرأيت فيها دقائق علومهم ، كأن هذه الألفاظ إنما خرجت من هذه العلوم نفسها ، وكأن كل علم وضع في الآية كلمته الصادقة ، فلا تملك بعد هذا أن تجد ختام الآية إلا ما ختمت هي به من هذا التسبيح العظيم فَتَبارَكَ اللَّهُ ! . فصل إعجاز القرآن وهذا هو الغرض الذي أردنا إليه الكلام في كل ما مرّ من هذا الباب جهة إلى جهة ، وأرغنا معانيه فصلا إلى فصل ، وخضنا في ضروبه معنى إلى معنى ، وقد وقّفناك منه على وجوه عدة ، من سرّ كان مكتوما ، وخبء كان مجهولا ، ومقطع من الحق كان مشتبها ، وكلها خارج عن طوق الإنسان عندما يتعاطى وعندنا يتوهم وعندما يثبت ، وكلها لم يشهده الزمن إلا مرة واحدة . وإنما الإعجاز شيئان : ضعف القدرة الإنسانية في محاولة المعجزة ومزاولته على شدة الإنسان واتصال عنايته ، ثم استمرار هذا الضعف على تراخي الزمن وتقدمه ؛ فكأن العالم كله في العجز إنسان واحد ليس له غير مدته المحدودة بالغة ما بلغت ؛ فيصير من الأمر المعجز إلى ما يشبه في الرأي مقابلة أطول الناس عمرا بالدهر على مداه كلّه . فإن المعمّر دهر صغير ، وإن لكليهما مدة في العمر هي من جنس الأخرى ؛ غير أن واحدة منهما قد استغرقت الثانية ؛ فإن شاركتها الصغرى إلى حد فما عسى أن يشركهما فيما بقي . ونحن الآن قائلون فيما هو الإعجاز عند علمائنا - رحمهم اللّه - وما وضعوه فيه من الكتب ؛ ثم ما هي حقيقته عندنا ؛ ثم نبسط الكلام فضلا من البسط في إعجاز القرآن بأسلوبه وبيانه مما يماسّ اللغة ويستطرق إليها - نستتم بذلك القول فيما انتهى إليه جهدنا