مصطفى صادق الرافعي
94
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
بالسماء « 1 » تحتوي مئات الألوف من العوالم الأخرى . . . إلى أن قال « إن القرآن الكريم آيات بينات عن تكوين العالم ، وكيف كان هذا التكوين ، وعن الأطوار التي تنقّل فيها ، وعن خلقة الموجودات ، وأسباب الحياة ، وعن آخرة كرتنا الأرضية وعاقبتها التي ستصير إليها في النهاية ، ولقد كانت معاني هذه الآيات الشريفة منظورا إليها فيما مضى من جهة العقائد حسب ، ولم يكن أحد يستطيع أن يذهب في تأويلها مذهبا يصدر فيه عن علم ، ولكن هذه الحالة قد تغيرت الآن ، لأن الحكماء الذين نبغوا في العصرين الأخيرين قد أبانوا بمباحثهم العلمية وما كشفوه من الغوامض الدقيقة عن قدرة اللّه بأجلى بيان ، حتى أصبحت نظريات علم التكوين صالحة لتفسير آيات اللّه سبحانه وتعالى تفسيرا بديعا ، مع أنها هي في حالتها الراهنة لم تبلغ بعد حدّ الكمال » . وبعد أن وصف همم علماء الفلك والرياضة ، ووسائلهم ومعرفتهم المسائل الدقيقة ، عن الكواكب والشموس والعوالم ، وعن حقيقة هذه الكرة التي نعيش عليها ، وما أفاده المجتمع البشري من ذلك ، قال : « وأفدنا نحن معشر المسلمين فوائد عظيمة خاصة بنا ، لأن هذه المخترعات والمستحدثات وما أدّت إليه من أدلة ونظريات - قد جاءتنا ببرهان جديد على إعجاز القرآن الذي ندين اللّه عليه ، فقرّت بذلك أعين المؤمنين ، وذلك من فضل اللّه علينا وعلى الناس . . . قال : « وسيرجع الفلكيون موحدين إذا علموا أن الأسرار العلمية التي يحسبونها جديدة ، هي في القرآن كما ظهرت لهم ، ومثل من ذلك أن العالم الفلكي م . بوانكاريه ، قال في مقدمة كتابه المطبوع في سنة 1911 م وهو يبحث في دقة نظام هذه الكائنات وما فيها من مظاهر الكمال ، ليس ذلك من الأمور التي يمكن حملها على المصادفة والاتفاق ، وأحسب أن القدرة التي لا أول لها ولا آخر سنّت للكائنات هذا النظام في عهد ما على أن يستمر حكمه إلى الأبد ، فأذعنت الكائنات لإرادتها راضية طائعة . قال الغازي رحمه اللّه : فأمعن أنت النظر في هذه الكلمات وسياقها ، ثم اقرأ قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ وتأمل ما في الآية من معاني ورموز ؛ ثم تصور ما في ذلك من ذوق وجداني لأهل العرفان ، وقل : « تبارك اللّه والمنّة للّه » . كتاب سرائر القرآن ثلاثة فصول : الأول في كيفية تكوين العالم ووجود الحياة . والثاني في يوم القيامة أو خاتمة عمر الأرض . والثالث في المباحث والآيات القرآنية المتعلقة بإعادة الخلق وكل ذلك مطبق على نظريات وآراء الحكماء الأولين والآخرين إلى عصرنا ، ثم ما يؤيد حقيقة ما انتهوا إليه من آيات القرآن الكريم . وكان الغازي يفكر في هذا الكتاب خمسة وعشرين عاما ، فرحمة اللّه عليه كفاء ما أحسن إلى أمته .
--> ( 1 ) المجرة : سطح هائل في غاية العظم تسبح فيه ألوف ومئات من العوالم .