مصطفى صادق الرافعي
95
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
تفسير آية « 1 » وقد رأينا أن نسوق هنا تفسير آية من القرآن الكريم أصبناه في بعض كتب الحكيم العلامة داود الأنطاكي المتوفى سنة 1008 للهجرة ، فتح عليه به وهو في أضعف الأزمنة وأشدها انحطاطا وفقرا من الوسائل العلمية . ولا تنس أن الآية أنزلت على نبيّ أمّي في قوم لا يعرفون كثيرا ولا قليلا من علم التشريح أو علم التكوين ، ثم إنها كذلك ليس في صناعتها البيانية شيء مما تتحسن به البلاغة فيبين بنفسه ويجعل للكلام شأنا في تمييزه واستخراج معانيه ، كالاستعارة والكناية ونحوها ؛ ولكنها قائمة على دقائق التركيب اللمي والملاءمة كل الملاءمة بينها وبين دقائق التعبير ؛ ففيها إعجاز في المعنى ، ثم إعجاز في الصورة ؛ مع أنها في غرضها وسياقها مظنة أن لا يكون فيها من ذلك شيء ؛ إذ هي عبارة علمية تسرد سردا عى التقرير والحكاية هذا مما يسمو بإعجازها سمّوا على حدة ، فإنه يضع فوق البلاغة ما تكون البلاغة في العادة والطبيعة فوقه . وكل ما هذه سبيله من الآيات العلمية في القرآن الكريم فأنت لا بد واجد فيه من قوة المعاني أكثر مما في العقل العربي من قوة الفهم وقوة التعبير ؛ لتكون قوة الدلالة فيه يوم تتهيأ للأمم وسائلها العلمية دليلا من أقوى أدلة الإعجاز . أما الآية فهي قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ « 2 » . والتفسير : قال جلّ من قائل وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ، يعني إيجادا واختراعا ، لعدم
--> ( 1 ) زدنا هذا الفصل للطبعة الثالثة . وكتابنا ( أسرار الإعجاز ) الذي تعلقت به النية يكون هذا نحوا منه إن شاء اللّه . ( 2 ) السلالة : الخلاصة ، قالوا : لأنها تسل من الكدر ، وهذا الوزن فعالة ( بضم الفاء ) يبنى للقلة : كقلامة الظفر ونحوها ، وعبارة سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ : تحتمل معاني كثيرة ، بل أنت لا تجد معنى علميا في خلق الإنسان الأول إلا إذا انطبقت عليه وليس يخفى أن مسألة خلق الإنسان الأول من أمهات المسائل الغامضة التي لا سبيل إليها إلا من الظن ، كأنها ليست من علم الإنسانية ؛ وكأنها تلتحق ببيان الروح وهذه لا بيان لها على الأرض ، فجاءت العبارة في الآية الكريمة كأنها ( سلالة من علم ) تتسع لمذهب القائلين بالنشوء ، ولمذهب القائلين بالحق ولمذهب انتقال الحياة إلى هذه الأرض في سلالة من عالم آخر . وهكذا .