مصطفى صادق الرافعي

93

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

العقل هو آخر أنبياء الأرض ، فوجود ذلك فيه قبل أن يوجد ذلك في الزمن بأربعة عشر قرنا ، شهادة ناطقة من الغيب لا يبقى عليها موضع شبهة ، فإن أسفر الصبح وبقي بعض الناس نياما لا يرونه وقد ملأ الدنيا فذلك من عمى النوم في أعينهم . وآخرون لا يرونه من نوم العمى في أعينهم والصبح فوق هؤلاء وهؤلاء . و ( فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ) . قال الغازي في مقدمة كتابه « 1 » : « وفي القرآن غير ما يكفل للهيئة الاجتماعية سعادتها وسلامتها في معاشها ومعادها مما حواه من الدساتير الأخلاقية والقضائية والإدارية والسياسية وعظة الأمثال والقصص - فيه إشارات وآيات بينات في مسائل ما برحت العلوم الطبيعية تحاول الكشف عن كنهها منذ عصور ، ولا سيما في علم التكوين والتخريب ( القيامة ) الذي دل الآن بنظريات الأخصائيين من علماء الفلك ومباحثهم ومشاهداتهم في طور التقدم والارتقاء وإنك لا تكاد تقلب من المصحف الشريف بضع صفحات حتى تجد آية في أسرار الكائنات وأحوال السماء منظومة في نسقها بمناسبة من أبدع المناسبات . قال : « وقد فهموا من علم الهيئة السماوية عظمة اللّه تعالى بعظمة الأجرام التي كانوا يحسبونها نقطا صغيرة منثورة في السماء . خذ لذلك مثلا : إدراك عظمة الشمس وكوكب الشّعرى بالنسبة إلى الأرض ، فإن هذه الأرض إذا نحن فرضناها فرضا بحجم الحمصة ، تكون مساحة الشمس بالنسبة إليها كمساحة مائدة مستديرة طول قطرها ذراع فرنسية ، ومساحة سطح كوكب الشّعرى الذي قال اللّه فيه وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى تبلغ مائة ذراع فرنسية بالقياس إلى تلك الحمصة « 2 » . « ومما أفدناه من تلك المباحث أن عالمنا الناسوتي الذي نسميه ( العالم الشمسي ) - وتؤلفه طائفة مستقلة من الأجرام السماوية تعد بالمئات أهمها شمسنا المنيرة وأرضنا وأخواتها من السيارات وما يتبعهن من النجوم ذوات الأذناب - يدور بسرعة عشرين ألف ذراع فرنسية في الثانية الواحدة ، مجتازا فضاء اللّه الذي لا نهاية له ، كما أشار اللّه تعالى إلى ذلك بقوله : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها « 3 » وأن المجرّة العظمى المحيطة

--> ( 1 ) وضع هذا الكتاب النفيس بالتركية ، وقد أخذ ترجمته صديقنا الأستاذ البحاثة محب الدين الخطيب صاحب مجلة الزهراء والفتح ، ومن خطه لخصنا هذه الكلمات . ( 2 ) من هذا الشرح تعلم عظمة الإضافة في هذه الآية الكريمة وسرها . ( 3 ) قلنا : تأمل هذا التنكير في قوله « لمستقر » فهو يشعرك أن العالم الشمسي يجري في اللا نهاية إلى نهاية محتومة ، فما الشمس بمؤلمة إذا كان لها استقرار ، فهي محدثة فانية ، ثم قوله : « لها » هو الذي يعين أنها تجري في اللا نهاية ، لأن المستقر غير مطلق ، بل هو لها . ثم التعبير بالفعل ( دون ) غيره ( من نحو تسير أو تدور إلخ ) هو الذي ينطوي إلى الحقيقة الفلكية التي أثبتتها الأرقام ، فكل كلمة من الآية إعجاز وحده .