مصطفى صادق الرافعي
92
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
ذلك وأن من أدلة إعجاز هذا الكتاب الكريم أن يخطئ الناس في بعض تفسيره على اختلاف العصور ، لضعف وسائلهم العلمية ولقصر حبالهم أن تعلق بأطراف السماوات أو تحيط بالأرض ، ثم تصيب الطبيعة نفسها في كشف معانيه ؛ فلما تقدم النظر ، وجمعت العلوم ، ونازعت إلى الكشف والاختراع ، واستكملت آلات البحث ، ظهرت حقائقه الطبيعية ناصعة حتى كأنه غاية لا يزال عقل الإنسان يقطع إليها ، حتى كأن تلك الآلات حينما توجّه لآيات السماء والأرض توجه لآيات القرآن أيضا وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . ذلك هو الأمر في العلوم الأولى ثم اللّه ينشئ النشأة الآخرة . سرائر القرآن بعد أن صدرت الطبعة الأولى من كتابنا هذا خرج في الآستانة القديمة . . . كتاب جليل للقائد العظيم والعالم الرياضي الفلكي المشهور الغازي أحمد مختار باشا رحمه اللّه ، أسماه ( سرائر القرآن ) وبناه على سبعين آية من كتاب اللّه تعالى فسّرها بآخر ما انتهى إليه العلم الحديث في الطبيعة والفلك ، فإذا هي في القرآن منطبق السماء عن نفسها لا يتكذّب ولا يزيغ ولا يلتوي ، وإذا هي تثبت أن هذا الكتاب الكريم سبق العقل الإنسانيّ ومخترعاته بأربعة عشر قرنا إلى زمننا ، وما ذاك إلا فصل من الدهر ، وستعقبه فصول بعد فصول « 1 » . ومعلوم أن الزمن تقسيم إنساني محض يلائم وجود الإنسان وفناءه على هذه الأرض المحدودة بمادتها وأجلها ، وإلا فليس في الحقيقة أزمان تبتدئ أو تنتهي ، فإذا ثبت للقرآن المجيد سبقه ما تتوهمه زمنا وتقدمه حدودا من آخر حدود العقل الإنساني ، على حين أنه أنزل في حدود غيرها بعيدة ضعيفة لا علم فيها ولا آلات علم - فحسبك بذلك وحده برهانا على أن هذا الكتاب جملة من الأزل تحوّلت في معنى ومنطق ، وجاءت لغرض وغاية ، ولامست الناس لتكون فيهم سببا لرسوخ الإيمان ، ثم نظاما للإيمان نفسه ، ومتى رسخ الإيمان فقد رسخ العالم كله في النفس الإنسانية . وهذا عندنا من بعض السر فيما جاء في الكتاب الكريم من آيات السماوات والأرض والنظر والاستدلال ، ومن طرق التعبير ، التعبير النفسي بالأمثال والقصص ونحوها . ثم إن في ذكر الآيات الكونية والعلمية في القرآن دليلا على إعجاز آخر فهو بذلك يومئ إلى أن الزمن متجه في سيره إلى الجهة العلمية القائمة على البحث والدليل ، وأن الإنسانية ذاهبة في أرقى عصورها إلى هذا المذهب ، وأن الدين سيكون عقليا ، وأن
--> ( 1 ) انظر كتاب ( الإسلام والطب الحديث ) للطبيب المصري المشهور عبد العزيز إسماعيل باشا .