مصطفى صادق الرافعي

91

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

لو تدبر القرآن وأحكم النظر فيه وكان بحيث لا تعوزه أداة الفهم ولا يلتوي عليه أمر من أمره . . لاستخرج منه إشارات كثيرة تومئ إلى حقائق العلوم وإن لم تبسط من انبائها ، وتدل عليها وإن لم تسمها بأسمائها ، بلى وإن في هذه العلوم الحديثة على اختلافها لعونا على تفسير بعض معاني القرآن والكشف عن حقائقه ، وإن فيها لجماما ودربة لمن يتعاطى ذلك ؛ يحكم بها من الصواب ناحية ، ويحرز من الرأي جانبا ؛ وهي تفتق لها الذهن ، وتؤاتيه بالمغرفة الصحيحة على ما يأخذ فيه ، وتخرج له البرهان وإن كان في طبقات الأرض ، وتنزل عليه الحجة وإن كانت في طباق السماء . ولا جرم أن هذه العلوم ستدفع بعد تمحيصها واتصال آثارها الصحيحة بالنفوس الإنسانية إلى غاية واحدة ، وهي تحقيق الإسلام ، وأنه الحق الذي لا مرية فيه ، وأنه فطرة اللّه التي فطر الناس عليها ، وأنه لذلك هو الدين الطبيعي للإنسانية ؛ وسيكون العقل الإنساني آخر نبيّ في الأرض ، لأن الذي جاء بالقرآن كان آخر الأنبياء من الناس ، إذ جاءهم بهذا الدين الكامل ، ولا حاجة بالكمال الإنساني لغير العقول ينبه إليه بعضها بعضا ، ومن لا يجب داعي اللّه فليس بمعجز في الأرض ! . وقد أشار القرآن إلى نشأة هذه العلوم وإلى تمحيصها وغايتها على ما وصفناه آنفا ، وذلك قوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ؟ ولو جمعت أنواع العلوم الإنسانية كلها ما خرجت في معانيها من قوله تعالى : فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ هذه آفاق ، وهذه آفاق أخرى ، فإن لم يكن هذا التعبير من الإعجاز الظاهر بداهة فليس يصح في الأفهام شيء .

--> الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا فتأمل قوله : ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ فإن هذه الحروف تكاد تنطق بأن هذا الأمر سيكون لا محالة . ومنها كشفهم أن مادة الكون هي الأثير ، واللّه تعالى يقول في بدء الخلق : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ومنها حققوه من أن الأرض انفتقت من النظام الشمسي ، واللّه تعالى يقول في السماوات والأرض : كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ومنها ثبوت أنه لولا الجبال لاضطربت دورة الأرض ؛ وذلك لقوله تعالى : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ، ومنها تحقيق أن كل شيء حي فهو من الماء وأن للجماد حياة قائمة بماء التبلور ، وذلك قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ومنها ما كشفوه من تلاقح النبات وأنه أزواج ، واللّه تعالى يقول : فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ويقول : مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ . والكلام في مثل هذا يطول ، ولا ريب عندنا أن تحقيقه سيكون موضوع كتاب الإعجاز الذي يخرجه المستقبل برهانا للإنسانية على حقيقة دين الإنسانية فلندعه لأهله ( عفا اللّه عنا وعنهم ) وعسى أن يكون لنا من دعائهم في الرحمة والمغفرة ما لهم من دعائنا في العون والتوفيق ، إنه من تعليق المؤلف . قال مصححه : ولا يفوتني في هذا المقام أن أنبه إلى المعاني الدقيقة التي وفق إليها الدكتور عبد العزيز إسماعيل في كتابه ( الإسلام والطب الحديث ) وكان الرافعي من المعنيين به ، كما كان عونا له ومددا في كثير من شواهد كتابه ( أسرار الإعجاز ) .