مصطفى صادق الرافعي

75

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وما ذا أنت صانع بأحكم ما في الحكمة ، وأبين ما في البيان ، وأسدّ ما في الرأي ، وأبدع ما في الأدب ، وأقوم ما في النصيحة ، وبما هو التامّ الجامع لكل ذلك - إذا جعلت تملأ به مسامع الناس وأنت لا تصيب فيهم وجها من وجوه الاستهواء ، ولا تملك إليهم سببا من أسباب التأثير ، ولا تقع منهم بالحكمة والبيان والرأي والأدب والنصيحة ، وبما هو الزمام عليها - إلا في فنون من جهل الجهلاء ولغط العامة وأوهام السخفاء ، وفي انتقاض الطباع واختلاط المذاهب ، فلا تجد إلا قلوبهم مساغا بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ . لا جرم كانت هذه علة العلل في أن القرآن الكريم لم يعد له من الأثر في أنفس أهله ما كان له من قبل ، ولا بعض ما كان له ؛ إذ لم يتدبروه بمثل القرائح التي أنزل عليها ، أو بقريب منها في الذوق والفهم والبصر بمواقع الكلام ، ولم يجروه من ذلك على حقه ، بل أصبحوا لا يستحون من اللّه أن يجعلوا قراءة كتابه ضربا من العبادة اللفظية يرجون عند اللّه حسابها ؛ ويبتغون في الأعمال ثوابها ، ولا يشكون أنهم يستفتحون يوم القيامة بابها ، على أنهم يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ . ذلك وجه الإعجاز الأدبي في القرآن ، وهو متصل باللغة اتصالا سببيا كما رأيت ثم هو من وراء الجنسية العربية التي بسطنا القول فيها ؛ لأنه تحقيق تلك العصبية الروحية ، أما حقيقة هذا الإعجاز مما يتعلق بحال الآداب نفسها وكونها آداب الفطرة المحضة التي تمادّ الزمن لأنها مادة الإنسانية ، ولأنها فصل ما بين الإنسان في حيوانيته وبين هذا الحيوان الناطق في إنسانيته ؛ فالقرآن كله برهان هذه الحقيقة ، ونحن ملمّون بها إلماما على ما بنا من الضعف ، وعلى ما بها من القوة ، وعلى أنه ينبغي أن تكون الإفاضة فيها غرض كتاب برأسه في بيان ما هي الجهات المتقابلة من علوم التربية والاجتماع وفلسفة الشرائع ، فإن هذه العلوم بما انتهت إليه وعلى جملتها وتفصيلها ، ليست إلا شروحا مبسوطة للمبادئ القليلة التي هي ملاك الآداب ، والتي حصرها القرآن حصرا محكما . وجاء بها على سردها وجهاتها ، كما يتبين ذلك من يقرؤه قراءة بحث وتأمل ؛ ومن زعم أن هذه الآداب علم أو هي تكون علما فلا يقصّر سبيل الحجة إليه طول الخصومة في زعمه مهما أطلنا ؛ فإن أصل الأمر في الآداب حالة النفس لا حالة العقل « 1 » ؛ وكم رأينا في أجهل الناس من سلامة النفس ورحب الذّرع وإخلاص الطويّة وصدق اللسان والقلب وضروب من الآداب كثيرة ، ما لم نر بعضه ولا الخالص من

--> ( 1 ) من هذا ما يقول بعض فلاسفة الغربيين : إن أوهامنا لتكثر كلما كثرت معارفنا . قلنا : وإن أغلاطنا لتكثر كلما كثرت أوهامنا ، وإن شرّنا ليزيد كلما زادت أغلاطنا ! .