مصطفى صادق الرافعي
76
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
بعضه في العلماء عامتهم أو أكثرهم ؛ وإنما ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ . وقوام الإنسانية في رأينا بثلاث ، هي جملة ما ترمي إليه آداب القرآن : الأولى : تعيين النسبة الصحيحة في المساواة بين الإنسان والإنسان ، حتى لا تكون القوة والضعف والسيادة والتعبّد ونحوها من عوارض الاجتماع فاصلة فاصلا طبيعيا بين فرد وفرد ، وبين أمة وأخرى ، فتقسم هذا الجنس أنواعا متباينة بطبيعتها ، ثم ينشق النوع إلى أجناس ، ثم كل جنس بعد ذلك إلى أنواع ، ويعمل الزمن عمله في تمكين هذه الطباع بالوراثة ، وفي توكيدها بما يستحدثه نظام الاجتماع في القبائل والشعوب ، فإذا الأرض بعد ذلك غير الأرض ، وإذا الإنسان مع تقادم الدهر غير الإنسان ، وإذا طبيعة ليس فيها لتنازع البقاء غير معنى واحد معكوس ، وهو بقاء التنازع . . الثانية : حياطة هذه النسبة الإنسانية فيما يبتلى به الإنسان من الخير والشر فتنة ، حتى لا يحيف القوي ولا يستيئس الضعيف ، ولتنصرف رغائب الأمم على تباينها في السياسة إلى جهة واحدة من هذه النسبة المعينة ، فلا تكون وقائع السياسة وأحداث الاجتماع ، وما إليها من الهزاهز ، كالحروب ونحوها ، إلا عملا إنسانيا يبتغى به دفع اعتداء وإقرار حق وردّ باطل وتقويم زيغ ، إلى أمثالها مما هو في حدود المرحمة والمبرة ، وليس يعدو بحال من الأحوال أن يكون وسيلة من وسائل الزجر والتأديب ، إذ قد خلا من ابتغاء الهلكة ورغبة الفناء وإبادة الخضراء ، وبرئ من معايب هذه السياسة الحيوانية التي لا تقوم لها قائمة إلا باعتراض الغفلة وانتهاز الضعف وبالكيد والمخاتلة ، وتنزّه مع ذلك عن دناءة المقصد وسفال الغاية وسوء الذريعة ، وعن الخبث الإنساني في الجملة . الثالثة : حد هذه النسبة في الإنسان بالقياس إلى القوة الأزلية ، حتى يتحقق معنى المساواة فيها ، فإن كل ما هو أدنى فهو سواء في النسبة إلى ما هو أعلى وإن اختلف مع ذلك في نفسه وبان بعضه من بعض . ولولا هذا الحد لما أمكن أن يجمع الناس على آداب يكون من غايتها أن تحوط الإنسانية فيهم ، إذ يبعدون هذه الإنسانية من قلوبهم إلى ما وراء إنكارها والتكذيب لها ، فلا يبقى لآدابها وجه تعتبر منه أو يؤخذ به في أمرها ، ومن ثم لا تكون الإنسانية إلا الغلظة والفظاظة في الأقوياء ، وإلا الذلّة والمسكنة في الضعفاء ، وتكون كل ذرة تسقط على الأرض من نعل القوي تفتح في الأرض قبرا لرجل ضعيف ، فلا تعمل في العمران يومئذ إلا آلات الهلاك والدمار ، حتى يبقى الإنسان من الدنيا كأنه في جهنم لا يموت فيها ولا يحيا « 1 » ولذا كانت الأديان الإلهية كلها متفقة في
--> ( 1 ) وهذا ما ستنتهي إليه المدنية الغربية وحضارتها إن مضت سائرة على طريقتها ؛ وقد بسطنا رأينا فيها فانظره في كتابنا ( تحت راية القرآن ) .