مصطفى صادق الرافعي
74
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . تلك جملة من القول في الخلق والعقل ؛ فلما ضعفت أخلاق القرآن في نفوس أهله ، لم ينفعهم العقل الذي أفادوه من استفاضة العلوم بينهم واستبحار فنونها ، ولم يغن عنهم من الخلق شيئا ، بل كان لهم ما تم للدولة الرومانية في عصر الإمبراطور الأول ، الذي ترجع إليه أسباب المجد لهذه الأمة في العلوم والآداب ، إذ امتاز بطبقات من النوابغ فيه ، وترجع إليه كذلك أسباب انحلال هذه الدولة واضمحلالها معا ، إذ كان لها يومئذ من ضعف الخلق أكثر مما كان لها من قوة العقل ، والبناء إذا نهض وطال إلى ما لا يحتمله الأساس ، فإنه يعلو غير أن علوّه لا يكون من بعد إلا سببا في سقوطه ! . وما فرّط المسلمون في آداب هذا القرآن الكريم إلا منذ فرطوا في لغته ، فأصبحوا لا يفهمون كلمه ، ولا يدركون حكمه ، ولا ينزعون أخلاقه وشيمه ؛ وصاروا إلى ما هم عليه من عربية كانت شرا من العجمة الخالصة واللّكنة الممزوجة ، فلا يقرّون هذا الكتاب إلا أحرفا . ولا ينطقون إلا أصواتا ، وتراهم يرعونه آذانهم وهم بعد لا يتناولون معاني كلام اللّه إلا من كلام الناس ، وفي هؤلاء الجاهل والفاسق والوضّاع والقصّاص وذو الغفلة والمتهم في دينه وفهمه ، ومن أكبر عرضه من القرآن حجج المخاصمة وبينات الجدل في مقارعة أو الردّ على مذهب أو التأوّل لرأي أو النضح عن فئة ، أو ما يشابه ذلك ! وأولئك جمهور من يفهم عنهم المسلمون إلا نادرا ، ولا حكم للنادر « 1 » .
--> ( 1 ) من الثابت البين أن من لم يحكم فهم القرآن فهما صحيحا لا تتم له فضائل هذا الدين . وفي بعض الشعوب المسلمة التي لا عربية لها ولم يتخولها علماء العربية من أهلها أو غير أهلها بالتثقيف والموعظة - لا ترى الإسلام إلا تهذيبا لأديانهم وعاداتهم القديمة ليس غير . ففي بلاد الدكن ، وعند قبائل دراقان ، يؤلهون النبي صلّى اللّه عليه وسلم ويعبدونه . وفي بعض جهات الهند وفارس أصبح شطر الإسلام من العقائد الوثنية . وإنك لترى هذا الأمر فاشيا حتى في الشعوب العربية العامية كالجزائر في بعض جهاتها ، ومراكش ، ومصر ، والسودان ، وغيرها . وما من شعب منها إلا له عادات تاريخية يمزجها بالدين ويراها منه ، فما تزال غربة الدين تتبع غربة العربية ونحن لا نزال نذكر حديثا أطرفنا به من نحو عشرين سنة شيخ رحالة يضرب في الأرض ، فإنه تحدث - وكنا من حاضري مجلسه - فذكر أنه نزل بقبيلة في حدود الصين تنتحل الإسلام - وقد ذهب عنا اسمها - فلما رأوه ينطق العربية ويقرأ القرآن وحدثهم أنه حج البيت وزار قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم أقبلوا عليه واحتفوا به وكادوا يعبدونه ، ثم ذهبوا يتشاورون في إكرامه بما هو أهله . فلم يروا أكرم له عندهم من أن يذبحوه . ثم يتخذوا عليه مسجدا . فيكون شيخ دينهم إلى يوم الدين . فما علم الرجل بها حتى هام على وجهه وكاد يهلك في مجهل من الأرض ، لولا أن تداركه اللّه بلطف من رحمته . كتبنا هذا للطبعة الأولى ( سنة 1914 م ) أما الآن في ( سنة 1927 م ) فنضيف إليه ما وقع في تركيا من بعض أهلها وحكامها : فكأنما كان الإسلام شعرا على رؤوسهم وحلق . ولكنه سينبت وسينبت ومن يعش يره ! .