مصطفى صادق الرافعي
69
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
وهذا على كثرة عديدهم ، وترادف تلك الآداب فيهم ، وتظاهرها على جميعهم ، واستقامتهم لها بأنفسهم ؛ وإنما يكون مثل الرجل الواحد منهم في الدهر الطويل ، وفي الجيل بعد الجيل ، وإنه على ذلك ليكون في الأرض نادرة الفلك ، بل يجعل هذه الأرض مثال السماء لأنه في نفسه مثال الملك . وما ذا تريد من علوم الأخلاق وعبر الاجتماع وفلسفة التربية وآداب السلوك وما إليها مما يبتغى ذريعة في كل وجه من إصلاح الإنسانية . إذا كانت كلّ هذه إنما تلتمس الناقص أو المعوجّ أو الفاسد أو الضال ، فتتمه وتقيمه وتصلحه وتتنصح إليه على طريق من الجدل والمدافعة والبرهان ، إن هي أغنت في قليل لم تغن في كثير ، وإن أقنعت العقل لم تبلغ من القلب مبلغا ولا تؤخذ إلا على أنها ثقاف ودربة وتمكين ، وما كل الناس يحسن أن يقوم على نفسه بنفسه هذا القيام ، وهي بعد وإن كانت علما غير أنها بسبيل ما عداها من العلوم التي تنقص منها التجربة ويشوبها الاجتماع ويفسد عليها الظنّ والتأول ، فكل كتاب من كتبها خيال رجل كامل على الحقيقة ؛ ولكنك إن ذهبت تلتمس ذلك الرجل في عالم الحس العلمي الذي يتأدب بتلك الكتب ويكون في الواقع هو صورتها وتكون هي معناه - لم تقع على اسمه ولو سألت ملائكة ( اليمين ) جميعا ؛ إلا أن تصيب ذلك في الفرط والندرة . وإنما كان ما علمت لقصور هذه الآداب عن استبطان حقائق الفطرة الإنسانية ، والكشف عن دخائلها ، واستنارة دفائنها ، وتمثل مذاهبها النفسية على الوجوه التي تذهب إليها هي لا تلك الوجوه التي يمضي فيها النظر والتأمل والحدس والقياس والتنظير ونحوها من وسائل العلماء إلى الاستنباط والاستنتاج وإلى القطع والتقرير ، حتى خرجت تلك الآداب من أن تكون آدابا إلى أن صارت قضايا متداخلا بعضها في بعض ، وأقيسة يفضي بعضها إلى بعض ، فصارت كالشئ المختلف الذي لا ينفك يخذل بعضه بعضا ؛ لحملها على العقل دون الخلق ، واعتمادها على جملة الفائدة دون الطريقة التي تنتهي إلى الفائدة ، وبذا ضعفت آثارها في النشء من دون الطفولة ، فضلا عن ذوي العنفوان من الأحداث ومن أعفال الرجال ، إذ لم تمازج أنفسهم ! ولا داخلت طبائعهم المتطلعة التي إنما يكون الشر بها شرا ، فلم تثبت ثبات العادة ، ولا أغنت غناء الدين ، وبقيت التربية الطبيعية كما هي : للدين والعادة « 1 » . وإنما انفردت آداب القرآن الكريم في ذلك الجيل الذي عرفت من خبره بالأسلوب الذي تناولها فيه ، مما يشبه في صفة البيان أن يكون وحيا يوحى إلى كل من يفهمه
--> ( 1 ) كان نابليون يقول : إن البواعث الدينية والإيثار والتقوى هي التي يقوم بها بناء الأمم ، وهذه الثلاث هي التي لا يشتد القرآن الكريم في شيء ما يشتد فيها .