مصطفى صادق الرافعي
70
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
ويقف عنده متثبتا بحال من الرأي ، وفحص من النظر وبإدمان التأمل ، وأخذ النفس بالتردد في أضيق ما بين الحرف والحرف من المسافة المعنى لدقة النظم وإبراع التركيب ، إلى ما يبهر الفكر ويملأ الصدر عجبا ؛ وهذا تفسير ما جاء في الأثر من أن « من قرأه فقد استدرج النبوّة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه » . وذلك - أي ما وصفناه من شبه الوحي - ظاهر التحقيق فيمن تدبر القرآن من أهل الذوق في اللغة والبصر بأسرارها والمعرفة بوجوه الخطاب والحنكة في سياسة المنطق ، فكيف به في قوم كالمضريّة من هذه العرباء : تنبع اللغة من ألسنتهم ، وتجري الفصاحة على ما أجروها ، وتنزل البلاغة على حقوقها وعلى أماكن حظوظها من حكمهم ورضاهم ، وهم بعد ذلك من هم في تصريف القول والافتنان فيه ، وسعة الحيلة في التأني لإبرازه واجتماعه على الغاية ، حتى تعود الجملة الطويلة لفظا واحدا ، والمعنى البعيد لحظا قريبا وحتى تصير حروفهم كنبض البرق في اشتماله ما بين أقطار السماوات ، على أنه إشارة ودون الإشارة ؛ ثم كيف بذلك في قوم كأولئك العرب وهم كانوا من حس الفطرة بحيث يفسخ البيان عقد طباعهم ، وينض قواهم المبرمة ، ويرخي معاقدهم الوثيقة ؛ بل كيف به يومئذ ، وقد كانوا يأخذونه عن لسان أفصح خلق اللّه منطقا ، وأصحّهم أداء ، وأجملهم إيماء ، وأبدعهم في الإشارة ، وأبينهم في العبارة . وهو صلّى اللّه عليه وسلم كان بينهم مظهر خطاب اللّه لأولي الألباب ، وتفسير كل ما في القرآن من الأخلاق والآداب . بذلك استطاع القرآن أن يؤلف من العرب - وكانوا بشرا لا نظام لهم - أكبر جماعة نفسية عرفها تاريخ الأرض ، وكان عملها في الأرض وفي تاريخها على حساب ذلك في روعته وغرابته وقوته وفائدته ، إذ وجدت من آداب القرآن قلبا اجتماعيا عاما استولى على ما فيها من التصور والفكر والإدراك والاعتقاد ، وأحالها كلها فكرا واحدا يستمد قوته من الخلق الذي قام به لا من العقل الذي ينشأ عنه ؛ وليس يخفى أن العقل هو مظهر تاريخ الأمة ، ولكن الخلق دائما لا يكون إلا مصدر هذا التاريخ ، فلا جرم لم يثبت تاريخ أمة من الأمم إذ لم يكن قائما على هذا الأصل المستحكم وكانت الأمة غير ذات أخلاق . وإنما صح هذا لأن الصفات الأخلاقية ليست إلا قطعة العمل التي ينسجها الفرد من خيوط أيامه في ثوب التاريخ الذي تحوكه الأمة لنفسها من أعمار أبنائها ، والخلق هو بطبيعته مادّة هذا النسيج في الأمة كلها ، لأنه وحده الذي يحقق الشبه بين طبقات هذه الأمة نازلها وعاليها من قاصيه إلى قاصيه فهو في الفرد صفة الأمة وفي الأمة حقيقة الفرد . ولا يشتدّ القرآن الكريم في شيء فيجيء به على العزيمة القاطعة التي لا مساغ للعذر فيها ولا وجه للتعلّل عندها ، كما تعرف ذلك منه في الأخذ بالأخلاق