مصطفى صادق الرافعي
65
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
في التاريخ العربي - من يضطلع من ذلك بعمل ، إن لم يكن مفسدة فمصلحة يزعمها ، كالذي فعله بعض ملوك الرومان وبعض شعرائهم في تدوين العامية من اللاتينية ، حتى خرج منها اللسان الطلياني ، وكما فعل اليونان في استخراج اللسان الرومي ، وهو العامي من اليونانية . ولو أن أحدا استقبل من ذلك شيئا وأراد أن يحمل الناس عليه لاستقبل أمرا بعض ما فيه العنت لحله والضياع بجملته ، ولشق على نفسه في بلوغ إرادة لها من شعور كل نفس عدو ، حتى يستفرغ ما عنده وكأنه لما يبدأ مع الناس في بدء لأن له مدة نفسه وحدها « 1 » وللناس عمر التاريخ كله ؛ ومتى لم يقع على فرق ما بين الاثنين ، وأراد أن يتولى عمل التاريخ ، فليس بدعا أن يجعله التاريخ بعض عمله ؛ وإن اللّه لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم . آداب القرآن ونحن الآن تلقاء نوع آخر من الإعجاز الأدبي ، وهو ضريب تلك المعجزة السياسية التي أومأنا إليها في الفصل المتقدم ، وسنقول فيه على وجه من الإيجاز والتحصيل ؛ فإن آداب هذا الكتاب الكريم إنما هي آداب الإنسانية المحضة في هذا النوع أنى وجدت وحيث تكون . إذا لم يراوغ الناس معنى الإنسانية في أنفسهم ، ولم يتمنوا فيها الأمانيّ الباطلة ، ولم يصدموها بالعنت بين كل رغبة ورغبة وبين كل رأي ورأي ؛ لا ترى أن أمة تفضل حتى تضيق هذه الآداب عنها ، أو قبيلا يلتوي حتى تكون منه بمقصر ، أو قوما يصلحون حتى لا تصلح لهم ، فإنها بعد آداب الفطرة التي لا تتغير في هذا الخلق ، على ما بين طوائفه من التباين ، وعلى الضروب المختلفة من أسباب هذا التباين وعلله ، مما ترجع جملته إلى تنوع الصور النفسية العامة التي تنشأ من الأفكار والعادات وما إليها من الأجزاء التاريخية التي تجتمع منها الأمم ، وتنشأ منها قواعد الحكم وضوابط الاجتماع ونحوها من الكليات التي يتألف تاريخ الأمة من آثارها . ولا شيء يشبه نظام هذه الفطرة في تسويتها بين الناس على ما وصفنا من أمرهم ، إلا نظام الجاذبية في تأليفه بين الأجرام المتفاوتة وإمساك جملتها على اختلاف ما بينها
--> وقد ذكرنا ذلك في موضعه من الجزء الأول من تاريخ آداب العرب ، ثم عثرنا على أن أبا عقال الكاتب ( في القرن الثالث ) قد وضع كتابا سماه ( الملهى ) وصف فيه أخلاق عامة بغداد وشيمهم ومخاطباتهم ، وأورد هذه المخاطبات على سردها في منطقهم ، والكتاب غير معروف . أما في زمننا فالعامية تدوّن ، ولها صحف تنشرها وأتباع يتولونها ويقولون بها ، وذلك من بعض فساد الزمن وانحراف الرأي بالعقيدة والجهل العلمي . . . وانظر تفصيل ذلك في كتابنا : ( نحن راية القرآن - المعركة بين القديم والجديد ) . ( 1 ) أو كما قلنا في بعض مقالاتنا ، إن لهذه الفئة قبورا بعددهم وهي تنتظرهم .