مصطفى صادق الرافعي
66
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
وتباعدها فيما وراء ذلك ؛ وليس نظام الجاذبية في التسبب لإصلاح العالم الكبير إلا شبها من الفطرة النفسية ، ولا نظام هذه الفطرة في الإنسان الذي هو العالم الصغير إلا شبها من تلك الجاذبية . وكلاهما يغني شأنا أراده اللّه من خلق السماوات والأرض ، وهو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا . وقد خرج الناس من أصل واحد ولا تزال طبيعة الحياة فيهم واحدة ، فكل ما أمكن أن يرجع إلى نفس الإنسانية ونظامها فهو في أصله وطبيعته شيء واحد وجنس متميز ، وإنما الذي يتغير في الإنسان مظاهر فكره ، إذ هو يستمدّ هذا الفكر مما يتقلب عليه من الحوادث ، ومما يريغه من الأمور ؛ وذلك شيء ليس في الناس على قدر واحد ولا صفة معيّنة ولا أمر مستقر ، لا يغادر الدهر أن يزيد بسبب وينقص بسبب ، والناس بعد ذلك متفاوتون فيه بالزيادة والنقص جميعا . فما كان من الآداب الاجتماعية ناشئا من العادة التي هي بعض مظاهر الفكر ، فهو كالعادة نفسها : يدور معها ويتغير بحسبها ؛ وما كان منها راجعا إلى طبيعة النفس التي هي مصدر الفكر ، فهو يشبه أن يكون طبيعة للاجتماع الإنساني وعلى مقدار ما فيه من قوة الملاءمة لطبيعة النفس أو ضعف هذه الملاءمة يكون ضعف الحياة الأدبية فيه أو قوّتها . وما يزال أمر الآداب الصحيحة في كل جيل من الناس يرمي إلى غاية بعينها من الإنسانية المطلقة التي لا تحدّ بألوان المصوّرات « 1 » كما تفصل حدود الأمصار والممالك ، فإن اللّه لم يلوّن الناس تلوينا جغرافيا . . وذلك مما يدل على أن نوعا من الإنسان لا تجزئة شرائع أرضه وعاداتها عن الآداب النفسية التي تجعل الفرد إنسانا من الناس قبل أن تجعله تلك الشرائع وتلك العادات فردا من أمّة ، فإن فصل ما بين حق الأمة على الفرد من أبنائها ، وبين حق الآداب عليه ؛ وهو أن كل أمة تريد أفرادها على أن يكونوا أبدا مع الحال التي تتفق بها مصلحة على وجه أمرها ، وإن كان في ذلك المفسدة وكان فيه معنتة ومأثم ، وكان فيه كل ظل للإنسانية ومراء في الحق وإصرار على الباطل ؛ وأن لا يدعوا لها سبيلا إلا ركبوه ، ولا هوى إلا حطّوا فيه ، ولا منفعة إلا هدموا دور جيرانهم ليفتحوا بابها ، ولا حاجة إلا قطعوا أسباب حلفائهم ليعترضوا أسبابها ، فإن هذه الإنسانية وهذا الحق وذلك الباطل ليست غير أدوات سياسية تعمل في تحريك كل مجموع سياسي يسمونه الأمة ؛ وقلما تتخذ السياسة لها فعلا إذا أرادت أن تضرب في الأرض ، إلا من « جلود » القوانين الممزّقة . غير أن الآداب تحتم على الفرد أن يكون أبدا مع الحق ، لا مع الحالة التي تسمّى
--> ( 1 ) كتب المصورات الجغرافية .