مصطفى صادق الرافعي

64

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

فاستجادوا المهرة من علماء الرومان ، ونصبوهم لوضع الكتب وتأليفها ، فوضعها لهم هؤلاء باللغة اللاتينية ، وهم قرءوها بها وأقروها عليها ، فذهب غوطيتهم وذهبوا على أثرها ، وأدالت اللغة الرومانية لأهلها منهم ، فأخذتهم رجفة التاريخ فأصبحوا في الرومانية جاثمين كأن لم يغنوا في لغة قبلها ! ألا فأقبل أنت على هذا المعنى وتدبره حتى تحكم ما وراءه ، فلقد تركوها آية بينة ! . وبعد ، فهذا الذي أمسكه القرآن الكريم من العربية لم يتهيأ في لغة من لغات الأرض . . . ولن تتلاحق أسبابه في لغة بعد العربية . وهذه اللغة الجرمانية انشقت منها فروع كثيرة في زمن جاهليتها . واستمرت ذاهبة كلّ مذهب ، وهي تثمر في كل أرض بلون من المنطق ، وجنس من الكلم ، حتى القرن السادس عشر للميلاد ، إذ تعلق الدين والسياسة معا بفرع واحد من الفروع ، هو الذي نقلت إليه التوراة ، فاهتزّ وربا وأورق من الكتب وأزهر من العقول وأثمر من القلوب ، وبعد أن صار لغة الدين صار دين التوحيد في تلك اللغات المتشابهة ، وبقيت هي معه إلى زيغ حتى انطوت في ظله ، في ضحى بنوره فإذا هي في مستقرها من الماضي ، ونسيت نسيان الميت . وقد كان بسق من فروع الجرمانية فرعان : الإنكليزي ، والهولاندي ، وكلاهما استقلّ حتى ضرب في الأرض بجذر ، ثم أناف الإنكليزيّ حتى صار ما عداه من ظله ، وهذا إلى فروع أخرى قد انشعبت في الأصل الجرماني ، كالأسوجي والإيسلندي وغيرهما . واللاتينية ، فقد استفاضت في أوروبا حتى خرجت منها الفرنسية والطليانية والإسبانية وغيرها ، وكان منها علمي وعاميّ بلغة العلم ولغة اللسان ، ثم أنت ترى اليوم بين تلك اللغات جميعها وبين ما تخلّف منها في مناطق هذا الجيل ، ما لا تعرف له شبيها في المتباعدات المعنوية ، حتى كأن بين اللغة واللغة العدم والوجود . فالعربية قد وصلها القرآن بالعقل والشعور النفسي ، حتى صارت جنسية فلو جنّ كل أهلها وسخوا بعقولهم على ما زينت لهم أنفسهم من الإلحاد والسياسة كجنون بعض فتياننا . لحفظها الشعور النفسي وحده ، وهو مادة العقل بل مادة الحياة ؛ وقد يكون العقل في يد صاحبه يضن به ويسخو ، ولكن ذلك النوع من الشعور في يد اللّه ، وهذا من تأويل قوله سبحانه : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . ولولا هذا الشعور الذي أومأنا إليه لدوّنت العامية في أقطار العربية زمنا بعد زمن « 1 » ، ولخرجت بها الكتب ، ولكان من جهلة الملوك والأمراء وأشباههم ممن تتابعوا

--> ( 1 ) لم نقف على ثبت يدل على أن اللغة العامية دونت في عصر من عصور التاريخ أو دوّن بها شيء ،