مصطفى صادق الرافعي
51
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
الرواية من تاريخ آداب العرب - مشهورة ، وقد أجابه عليها ابن عباس ، واستشهد لجوابه بنيف وتسعين بيتا من الشعر العربي الفصيح ، فلا نطيل بسردها ؛ فإن الكلام يتسع بما لا فائدة منه إلا معرفة الألفاظ وتفسيرها « 1 » . ومنشأ الغرابة فيما عدّوه من الغريب أن يكون ذلك من لغات متفرقة ، أو تكون مستعملة على وجه من وجوه الوضع يخرجها مخرج الغريب : كالظلم ، والكفر ، والإيمان ، ونحوها مما نقل عن مدلوله في لغة العرب إلى المعاني الإسلامية المحدثة ، أو يكون سياق الألفاظ ، قد دل بالقرينة على معنى معين غير الذي يفهم من ذات الألفاظ ، كقوله تعالى : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أي فإذا بيّناه فاعمل به . وكان الصحابة - رضي اللّه عنهم - يسمون فهم هذا الغريب ( إعراب القرآن ) لأنهم يستبينون معانيه ويخلصونها ؛ وقد روى أبو هريرة في ذلك : « أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه » وبهذا الأثر ونحوه مما تأتي فيه لفظة ( الإعراب ) زعم طائفة من أبناء الطيالسة « 2 » وطائفة من قومنا الذين في قلوبهم مرض ، أن اللحن - أي الزيغ عن الإعراب - كان يقع من الصحابة في القرآن لعهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ضلة من القائلين ، وذهابا إلى معنى ( الإعراب ) النحوي ، ثم غفلة عن لغة الاصطلاح ، والاصطلاح في أهله ضرب من الوضع : لا يحمل على كلامهم غير ما حملوه عليه . وكذلك عدّ العلماء في القرآن من غير لغات العرب أكثر من مائة لفظة ، ترجع إلى لغات الفرس والروم والنبط والحبشة والبربر والسّريان والعبران والقبط ، وهي كلمات أخرجتها العرب على أوزان لغتها وأجرتها في فصيحها فصارت بذلك عربية ، وإنما وردت في القرآن لأنه لا يسدّ مسدّها إلا أن توضع لمعانيها ألفاظ جديدة على طريقة الوضع الأول ، فيكون قد خاطب العرب بما لم يوقفهم عليه ، وما لا يدركون بفطرتهم اللغوية وجه التصرف فيه ، وليس ذلك مما يستقيم به أمر ولا هو عند العرب من معاني الإعجاز في شيء ، لأن الوضع يعجز أهله ، وهم كانوا أهل اللغة . ولذا قال العلماء في تلك الألفاظ المعربة التي اختلطت بالقرآن : إن بلاغتها في نفسها أنه لا يوجد غيرها يغني عنها في مواقعها من نظم الآيات ، لا إفرادا ولا تركيبا ، وهو قول يحسن بعد الذي بيناه .
--> ( 1 ) إذا أردت أن تقف عليها مستقصاة ، بل مزيدا فيها إلى ما لم تبلغه ، فارجع إلى الجزء الأول من كتاب ( الإتقان في علوم القرآن ) للسيوطي . ( 2 ) أبناء الطيالسة : كناية عن الأعاجم . وكان العرب يقولون للعجمي إذا يروه : « يا بن الطيلسان » كأنه عندهم ابن ثوبه .