مصطفى صادق الرافعي

52

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ومن ألفاظه ما يسميه أهل اللغة بالوجوه والنظائر ، والأفراد . أما الوجوه والنظائر فهي الألفاظ التي وردت فيه بمعان مختلفة : كلفظ الهدى ، فإنه فيه على سبعة عشر وجها ، بمعنى : الثبات ، والدين ، والدعاء ، ونحوها . ومن هذه الألفاظ : الصلاة ، والرحمة ، والسوء ، والفتنة ، والروح ، وغيرها . وكلها مما يتبسط في استعماله بوجوه من القرائن وسياسة القرينة في العربية شريعة من شرائع الألفاظ . وأما الأفراد فهي ألفاظ تجيء بمعنى مفرد غير المعنى الذي تستعمل فيه عادة ، ولابن فارس في إحصاء هذا النوع كتاب قال فيه : كل ما في القرآن من ذكر الأسف فمعناه الحزن ، إلا قوله : فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فمعناه : أغضبونا . وكل ما فيه من ذكر البروج فهي الكواكب ، إلا قوله : وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ فهي القصور الطوال الحصينة . وكل ما فيه من ذكر البر والبحر ؛ فالمراد بالبحر : الماء ، وبالبر : التراب ، إلا قوله : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فالمراد به البرية والعمران . وعد من مثل ذلك هو وغيره أشياء ؛ فهذا ما يسمونه في لغة القرآن بالافراد . تأثير القرآن في اللغة لا نتكلم في هذا الفصل عن الوجوه اللغوية التي ابتدعها القرآن في الكلام فصارت من بعده نهج الألسنة والأقلام ، ولا عن وجوه تأثيره باللغة : فإن لكل من ذلك موضعا هو أملك به ، وإنما نقص لك طرفا من القول في هذه اللغة كيف ظهرت في آياته للزمان حتى لا يظن أنها لغة عصرها ، وكيف بهرت بغاياته في البيان حتى ليقال إنها لغة دهرها ، وكيف جاوز بها قدرها الطبيعي بعد أن صار هو من قدرها . نزل القرآن الكريم بهذه اللغة على نمط يعجز قليله وكثيره معا : فكان أشبه شيء بالنور في جملة نسقه ، إذ النور جملة واحدة وإنما يتجزأ باعتبار لا يخرجه من طبيعته ، وهو في كل جزء من أجزائه وفي أجزائه جملة لا يعارض بشيء إلا إذا خلقت سماء غير السماء ، وبدلت الأرض غير الأرض ، وإنما كان ذلك لأنه صفى اللغة من أكدارها ، وأجراها في ظاهرها على بواطن أسرارها . فجاء بها في ماء الجمال أملأ من السحاب ، وفي طراءة الخلق أجمل من الشباب ، ثم هو بما تناول بها من المعاني الدقيقة التي أبرزها في جلال الإعجاز ، وصوّرها بالحقيقة وأنطقها بالمجاز ، وما ركبها به من المطاوعة في تقلب الأساليب ، وتحول التراكيب إلى التراكيب ، قد أظهرها مظهرا لا يقضي العجب منه ، لأنه جلاها على التاريخ كله لا على جيل العرب بخاصته ، ولهذا بهتوا لها حتى لم يتبينوا أكانوا يسمعون بها صوت الحاضر أم صوت المستقبل أم صوت الخلود ؛ لأنها هي لغتهم التي يعرفونها ، ولكن في جزالة لم يمضغ لها شيح ولا